بقلم: الشيخ جابر بغدادي
شروط الخلافة الربانية في الأرض
شروط الخلافة الربانية في الأرض
في رحاب الخلافة ومعارج المحبة: كيف يغدو الإنسان سيداً للأكوان؟
كيف يرتقي الإنسان بصيامه ليغدو سيداً لهذا الكون؟ ألم يقل الحق سبحانه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [سورة البقرة: 30]؟ بلى، ولكن السؤال هو؛ ما هي شروط تحقيق هذه الخلافة الربانية؟ إنها تكمن في ثلاثة أركان:-
1- أن أذكره سبحانه فلا أنساه،
2-وأن أطيعه فلا أعصاه،
3-وأن أحب مولاي وأهواه، مفارقاً في ذلك لكل سوى، وتاركاً لكل هوى، بعيداً كل البعد عن "الدعوى".وأي شيء هي "الدعوى"؟ إنها ادعاء ما ليس فيك، ومن ادعى ما ليس فيه ابتلي فيه اختباراً، وسقط من عين الله.
الركن الأول:- الذكر
فإن رمت الذكر، فليكن ذكراً لا يتخلله غفلة؛ ولعلك تقول: "ومن يقدر على ذلك؟"، فيأتيك الجواب الرباني: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [سورة طه: 14]؛ أي صلِّ لتذكر عندي فتصبح أنت "مذكوراً".
لكن الذاكر قد تعتريه أنواع من الغفلة؛
فقد يغفل قبل الذكر "غفلة النسيان" فينسى مذكوره، وقد يغفل في أثناء الذكر "غفلة المنان" فيذكر ويستشعر أن له على الله فضلاً أو جميلاً، وقد يغفل بعد الذكر "غفلة الإحسان" حين يرى إحسان نفسه ولا يشهد إحسان "الحنان" سبحانه. أما الموحد، فهو في يقظة دائم، يعلم يقيناً أنه {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} [سورة المدثر: 56]. وإذا ما تدبرت قوله تعالى: {وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [سورة الكهف: 24]، فاعلم أن المعنى: اذكر أن من دونه في الوجود "نسيٌ منسي"، ليحل في قلبك نور "الودود". واذكر ربك إذا نسيت ذكرك أنت فذكرته هو ؛ فهذا هو الذكر الذي لا تشوبه غفلة، ذكرٌ ناشئ عن ذكر، وذكرٌ بعد شهود، وكأن لسان حالك ينشد:
ذكرتك لا لأني نسيتك لحظةً ... وأيسرُ ما في الذكر ذكرُ لساني
أكادُ بلا وجدٍ أموت من الضنى ... وهامَ عليَّ القلبُ بالخفقانِ
لما أراني الوجدُ أنك حاضري ... رأيتك موجوداً بكل مكانِ
فخاطبتُ موجوداً بغير تكلمٍ ... وشاهدتُ معلوماً بغير عيانِ
أما الركن الثاني:-
فهو أن أطيعه فلا أعصاه. وهنا قد يعترض سائل: "وأي إنسان يخلو من معصية؟"، فكيف السبيل إلى طاعة لا يعصى الله بها؟ إن من الطاعات ما تكمن في طياتها معاصٍ، و"ما خفي كان أعظم". فما الذي خفي يا ترى؟ إنه الكبر الذي قد يتسلل إلى قلبك وأنت تنظر إلى العصاة بعين الازدراء مستعلياً بطاعتك، فترى نفسك متواضعاً وأنت في الحقيقة متكبر. لذا، اخشَ الدسائس الكامنة في الجوع والشبع على حد سواء، فربما كانت "خمصة" (جوع بزهو) شر من "تخم" (شبع بتواضع).
ألا ليتنا ندرك أنه ربما فُتح لك باب الطاعة ولم يفتح لك باب القبول، وربما ابتُليت بالمعصية فكانت هي سر الوصول! والطاعة التي لا يُفتح لها باب القبول هي تلك التي شابها "حظ النفس" والدسائس الخفية، فحفظ النفس في الطاعة خفي، وحظها في المعصية جلي. والمعاصي فنون؛ منها ما هو "مخالفة الحكم"، ومنها ما هو "معاندة الحق". فما عليك إلا أن "تتقِ المحارم تكن أعبد الناس" (رواه الترمذي: 2305، وأحمد: 2/310).
ثم نأتي للركن الثالث والأسمى: أن تحبه وتهواه.
فكيف يكون الحب أعظم مراتب التقوى؟ إن الحب في بداياته يتجلى في صورة "خوف ورجاء"؛ خوف من العقوبة ورجاء للمثوبة، "إيماناً واحتساباً". فإذا ارتقى المحب في مدارج القرب، سما الخوف من العقوبة ليصبح "وجلاً"، وتحول الرجاء إلى "أنس"، فيغدو لسان حاله: "أنا لا أريد شيئاً، أنا أريده هو".
وإذا ما استفاض الحب وزاد، تحول الوجد إلى "دلال"؛ وانقلب الخوف "وجلاً"، ثم استحال الوجل عند زيادة المحبة إلى "هيبة" تخرس اللسان في "حرم الجمال"، فيعيش المرء حقيقة قوله تعالى: {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} [سورة طه: 108].
وفي مواجهة هذه "الهيبة" الربانية، يظهر مقام "الدلال"؛ فانظر إلى حال الناس يوم القيامة وهم في غمرات الهيبة، والكل يقول: "نفسي نفسي"، بينما نبينا صلى الله عليه وسلم يهمس في أذن العرش، في باطن العرش، قائلاً: "أمتي أمتي". في ذلك الوقت الذي خشعت فيه الأصوات، لا يُسمع إلا ذلك الهمس النبوي الشريف؛ فالكل صامت من الهيبة، وهو صلى الله عليه وسلم يتكلم "دلالاً" على ربه ومولاه (انظر: حديث الشفاعة الكبرى، صحيح البخاري: 4712، وصحيح مسلم: 194).
***
المصادر والمراجع:
[1] هذه الأبيات منسوبة للحسين بن منصور الحلاج؛ انظر: ديوان الحلاج، صنعه وأصلحه: هاشم عثمان، دار ومكتبة الهلال، بيروت، ص 142.
[2] حديث "اتق المحارم تكن أعبد الناس": أخرجه الإمام الترمذي في سننه، كتاب الزهد، باب ما جاء في اتقاء المحارم، رقم (2305)، والإمام أحمد في مسنده (2/310) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[3] مقولة "ربما فتح عليك باب الطاعة ولم يفتح عليك باب القبول...": هي من الحكم العطائية للشيخ ابن عطاء الله السكندري؛ انظر: شرح الحكم العطائية، لابن عباد الرندي، دار الكتب العلمية، بيروت، الحكمة رقم 96.
حديث الشفاعة وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم "أمتي أمتي" وقول غيره "نفسي نفسي": أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، رقم (4712)، والإمام مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم (194).
