Islamic geometric pattern background
العودة إلى المقالات
تزكية النفس5 دقيقة قراءة

مدرسة الحياة في سبيل الله.. رسالة أمل من رحاب سيدي أبي الحسن الشاذلي

يقدم الدكتور جابر بغدادي رسالة أمل روحانية من مقام سيدي أبي الحسن الشاذلي، موضحاً أن الإسلام هو مدرسة الحياة في سبيل الله، ومبيناً كيف نواجه يأس الحياة وقنوطها بنور اليقين، عبر استلهام سير الأولياء وتطبيق هدي النبي ﷺ في التيسير والتبشير.


الحمد لله الذي أفاض على عارفيه من أنوار، يُلقي الروح من أمره على من يشاء، وألبسهم من كرامته أشرف رداء، ووسّع لهم من فضله وجوده واسع العطاء، وأورثهم حُلل الجلائل والثناء، وكيف لا وهو يختص برحمته من يشاء. وإنما يتهلل القلب منشداً في مناجاة خالقه وحب نبيه:

"رقيب يطالعني فأعصي جهالة... يبدل بالغفران قبح مزلتي

فقلبي يهواه وروحي تشاهده... وسري به يسري ورؤياه غايتي

فإن يرفع الأستار أسمع ما أرى... يدندن بالتوحيد حمداً بخلوتي"

فاللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله عدد كمال الله وكما يليق بكماله.

"لما أتيت إلى المدينة زائراً... ورأيت نور قبابها العصماءِ

روحي تجلت والدموع تحدرت... ورأيت نور قبابها الخضراءِ

وأتيت بين الزائرين بخجلتي... متهللاً أنا مادح ببكائي

لا لوم إن غنيت باسم محمد... فمديحه طِبي من الأسواءِ

حتى وقفت تجاه روض محمد... ناديته يا أكرم الشفعاءِ

أرني جمالك يا ابن أكرم والد... وارفع كفوفك وادع لي بعطاءِ

إن كان نورك لا يلوح لمذنب... فانظر إلي بنية الإشفاءِ"

ثم أما بعد، يا ولدي؛ فإن مهجة الروح لتفيض بكل الشكر والعرفان لسادتي وأساتذتي أرباب المنصة الكريمة، وعلى رأسهم فضيلة الأستاذ الدكتور سيدي الشيخ محمد مهنا -شيخ الطريقة المحمدية ورائد البيت المحمدي، حفظه الله-، على عظيم تنسيقه وترتيبه لهذا الجمع الكريم، وهذا الاحتفال الذي طالما ننشده؛ ليكون أنموذجاً مباركاً يعبر عن تصوفٍ رشيد، وليكون قدوة لكل محتفٍ ومحتفل بالأولياء الصالحين.

فهؤلاء الأولياء، يا ولدي، نحن في أمس الحاجة وبحاجة كاملة إلى الاحتفال بهم، وبسيدنا الإمام أبي الحسن الشاذلي -قطب دائرة التحقيق وإمام العارفين المتوفى سنة 656 هـ- وغيره من سادتنا الأولياء، لا سيما في هذا الزمان المكفهر الذي نصبح فيه كل يوم على فاجعة؛ فنرى فلاناً قد انتحر، وفلاناً قد قتل نفسه، وفلاناً قد يئس من الحياة. فإنما زيارة مقامات الأولياء ومجالسهم هي من أعظم عوامل نشر الأمل بين الناس، وقراءة سيرهم ما هي إلا تجديد لعهدنا بقول الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

أولئك الذين ينتحرون، يا ولدي، إنما فعلوا ذلك لأنهم لم يتعلموا من دين الإسلام، ولم يتشربوا من روحانية الإسلام معنى "الحياة في سبيل الله". فها هو سيدنا الإمام أبو الحسن الشاذلي، رضي الله عنه، يُعرّف الإسلام قائلاً: "إن الإسلام هو مدرسة الحياة في سبيل الله"⁽¹⁾. فإننا نبغي أن نتعلم كيف نعيش الدين ونحيا به، فلا ينبغي أن يكون الدين كله تعليماً للموت، أو حديثاً مقتصراً على القبر والعذاب واليأس والقنوط.

ولتعلم يا ولدي، أنني حينما جلست في هذا المقام المبارك منذ دقيقة واحدة، اعترتني شدة عظيمة ورهبة جليلة؛ فكيف لي أن أقوم لأتكلم، وهذا الصف الأول يزخر ويأتم بجهابذة أهل العلم ومشايخه؟ وما عساي أن أقول بينهم؟ وناهيك عن هذا كله، كيف أتكلم وسيدنا الإمام أبو الحسن الشاذلي، رضي الله عنه، حاضر بروحه يسمعني؟ فماذا يمكن لمثلي أن يتحدث به يا رب؟ وماذا عسى للضعفاء أمثالي أن ينطقوا في مشهد كهذا لكي ينصفوا ربنا؟ إنما تداركني اللطف حين طاف بخاطري وتذكرت تلك الوصية الذهبية التي نصح بها سيدي عبد السلام بن مشيش -قطب أقطاب المغرب وإمام أهل الطريق المتوفى سنة 625 هـ- تلميذه القطب المبارك سيدنا أبا الحسن الشاذلي، حينما قال له: "يا ولدي، لا تتكلم ليسمعك الناس، إنما تكلم ليسمعك الله"⁽²⁾. فقلت في نفسي: خلاص، اطمأن قلبي وسكن روعي.

قال له: "يا ولدي" -وهذه يا بني نعتبرها درساً بليغاً لساداتنا، ومشايخنا، ومريدينا، وعلمائنا، وطلابنا، وأحبابنا- إذا أردنا أن نتكلم عن هذا الدين، فلنتكلم ليسمعنا الله، لا لنتكلم ليسمعنا الناس. فقد قال له سيدي ابن مشيش: "فإن تكلمت فسمعك الله، أسمع بك الناس. ولا تتعلم ليعرفك الناس، إنما تعلم ليعرفك الله، فإن عرفك الله، عرّف بك الناس"⁽³⁾.

ولقد تعلمت من هذا النبع معنى رشيداً، يلوح في إشارة قول الحق سبحانه وتعالى عن سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾. لقد كان سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام واقفاً في فلاة من الأرض، ومكة وقتها لم تكن بلداً عامراً، ولم تكن صعيداً مأهولاً، فليس هنالك من طائف يطوف من البشر، ولا حاج يحج، ولا شيء، ولا ناس تسمع النداء. فقال له الحق: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾. فوقف سيدنا إبراهيم متعجباً من نداء الحق سبحانه وتعالى وهو يقول له أذن في الناس بالحج، فقال له: يا رب، أؤذن.. طب ومن يسمع؟ فكأن الله عز وجل يؤدب أنبياءه ويرقيهم إلى مراقي الشهود قائلاً: أذن وأنا أُسمِعك! قال له: يا رب أؤذن ومن يسمع؟ قال سبحانه: أذن وعليّ البلاغ⁽⁴⁾. ولذلك فهمها من فهمها من أهل الله، وقال: "يا أبا الحسن، لا تتكلم ليسمعك الناس، إنما تكلم ليسمعك الله، فإن سمعك الله، أسمع بك الناس". ولأجل هذا المعنى الشريف يقول وارثٌ ممن ورث حاله، وهو سيدي ابن عطاء الله السكندري -تاج الدين وترجمان الواصلين المتوفى سنة 709 هـ-: "من أذن له في التعبير، حسنت في أسماع الناس عبارته"⁽⁵⁾، بل في أسماع الخلائق أجمعين عبارته.

والأمر الثاني يا ولدي؛ قلت حسناً، لنتكلم إذن عن الأمل. فقد قرأ سيدنا أبو الحسن الشاذلي حديث النبي الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه برقم (69) والإمام مسلم برقم (1734)، وهو يقول: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا». وقد رددتموها معي وها أنتم تحفظونها أحسن مني: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا.. بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا». ولكن الإمام الشاذلي قال في سره: لا، هذا كلام دقيق، فأهل الظاهر ماذا يفهمون منه؟ إن العارفين يدركون أنه كلما اتسع المشهد، دقت العبارة، وكلما كان مشهد المتحدث عميقاً في الشهود، ومتألقاً في كرامة المعرفة والتوحيد، قلت العبارة جداً.

فمضى الشاذلي يقول: يجب أن أسأل من هو أعلى مني رتبة في المشاهدة. فارتحل إلى أستاذه سيدي عبد السلام بن مشيش وسأله: يا مولانا، ما معنى قول سيدنا : «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا»؟ فأجابه قطب الأقطاب قائلاً: "يا أبا الحسن، «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» تعني: عرفوا الخلق بالله؛ لا إله إلا الله". ومن هذا النبع الصافي، يغترف سيدنا ابن عطاء الله السكندري فيقول: "من دلك على العمل فقد أتعبك، ومن دلك على الله فقد أراحك"⁽⁶⁾. الله! هذا هو التيسير حقاً. إننا نريد في هذا الزمن القاسي أن نُعرّف الناس بسعة رحمة ربنا جل جلاله، نريد أن نعلم هذه الخلائق أن ربنا غفور، وأن ربنا رحيم، وأن الشدة وإن تعاظمت وتفاقمت فإن لها رباً يفرجها، وأن الكرب وإن اشتد فله كاشف، وأن الصبر على مآسي الحياة ومحنها إنما هو رتبة سامية من رتب الأولياء.

وقبل أن نقرأ كرامات هؤلاء الأولياء، وما أفاضه الله عليهم من المنح والعطاء، علينا أن نسترسل بإمعان وندقق النظر في صبرهم على محنهم حتى بلغوا رتب الولاية. فقد قال هذا القطب، العَلَم الرباني رضي الله عنه: "ما من عبد سلك طريقنا إلا ابتلي بأربعة: بحسد العلماء، وطعن الجهلاء، ولوم الأصدقاء، وشماتة الأعداء، فإن صبر اتخذه ولياً"⁽⁷⁾. واقرأ إن شئت قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾. فنحن، يا ولدي، نريد أن نستعيد الإسلام نابضاً في صفحة الحياة، لتكون حقاً حياة في سبيل الله.

هذا الإسلام، يا عباد الله، قد علمنا كيف أنه شريعة تتأرجح بين المبنى والمعنى؛ فقد جاء في صحيح الإمام مسلم برقم (35) أن للإيمان شعباً: «أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ». وفيما بين إماطة الأذى عن الطريق، وإصلاح الشارع، وإصلاح سبل الحياة، والعكوف على معنى التوحيد العميق، معانٍ جالت فيها همم الأولياء والصلحاء والأنبياء والمرسلين، حتى عرفوا وذاقوا لذة الحياة في سبيل الله، وحتى أثمرت حياتهم فكانت أنموذجاً للحياة في سبيل الله.

ثم قال الإمام الشاذلي لأستاذه: طيب، وما معنى: «وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا»؟ قال له: "عرفوا الناس بسيد الناس"، عرفوا الناس بسيدنا النبي الأكرم. فإننا نريد أن نواسي الناس التي ضاقت عليها حياتها واستصعبت أمورها، ونقول لهم: انظروا إلى إمام الأنبياء وسيد الأصفياء ؛ كما أخرج الإمام البخاري في صحيحه برقم (5666)، حينما كان يخرج في مرضه، فتخرج إليه السيدة عائشة رضي الله عنها تشكو ألمها وتقول له: وارأساه يا رسول الله! فيرد عليها قائلاً: «بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهُ يَا عَائِشَةُ»⁽⁸⁾. وانظر إليه حينما كان يخرج صلوات ربي وسلامه عليه، وهو رابط الحجر على بطنه من شدة الجوع⁽⁹⁾، وهو من هو؟ هو الذي أوتي مفاتيح خزائن الأرض، وكان الكون كله تحت تصريفه إذا شاء. وقد أراد الله له أن يكون ملكاً، فرفض أن يكون ملكاً متوجاً، ورفض أن يكون أميراً يتسلط على الخلق، بل ارتضى الله له النبوة والرسالة؛ وهذا ما جعله يختار أن يشبع يوماً فيشكر، ويجوع يوماً فيصبر. وهذا، يا ولدي، هو فن الحياة في سبيل الله.

نريد أن نقرأ كثيراً ونتدبر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، حتى تكون هذه المسائل الربانية عزاءً لقلوبنا على صعوبات الحياة. نعم، نريد أن نقرأ مراراً وتكراراً: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، ونريد أن نسمع عن أهل الرضوان في قوله جل شأنه: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾، لنتربى ونتعلم فن الحياة في سبيل الله.

فاللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت على طريق الحق أقدامنا، وقلوبنا، وسرائرنا، وأرواحنا، واملأنا منك حياءً. واجعلنا دالين بك عليك، ناطقين بهداك إليك، واجعلنا من صفوة عبادك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. اللهم لا تبتلنا بعلة، ولا تجعلنا في غفلة، ولا تأخذنا على غرة. اللهم ولا تكتب علينا ذلة ولا مذلة. اللهم احفظ بلادنا، وأولادنا، وجنودنا، وحدودنا، وأرضنا، وسماءنا. واحفظ علينا نعمة الوطن، واحفظ علينا أشياخنا، وعلماءنا، وأزهرنا الشريف، واحفظ علينا أولياء الله. وأدم علينا نعمة السعي، ونعمة المسير إلى أولياء الله. وصُدَّ عنا التطرف والمتطرفين، والتشنج والمتشنجين. واجعلنا من عبادك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وارضَ اللهم عن كل من علمنا في سبيل الله ولو كلمة، وكل من دعانا إلى الله ولو بحكمة، وكل من سأل الله لنا هداية، وكل من طلب لنا من الله العناية. ثم نسألك يا مولانا أن تزج بنا في مكنون فضلك وحفظ قولك: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، وتوجنا بتيجان رضاك الأكمل. وأخرجنا من هذا المقام وقد غفرت ذنوبنا، وسترت عيوبنا، وفرجت كروبنا، وجمعتنا على حبيبنا ومحبوبنا وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين، ورضي اللهم عن سيدي صاحب هذا المقام المبارك.