Islamic geometric pattern background
العودة إلى المقالات
تجريد النية وفناء الهوى: رحلة مع الأنوار المحمدية بلسان الدكتور جابر بغدادي
تجريد النية وفناء الهوى: رحلة مع الأنوار المحمدية بلسان الدكتور جابر بغدادي
فقه القلوب والسيرة النبوية2 دقيقة قراءة

بقلم: الشيخ جابر بغدادي

تجريد النية وفناء الهوى: رحلة مع الأنوار المحمدية بلسان الدكتور جابر بغدادي

اكتشف مع الدكتور جابر بغدادي كيف يذيب نور النبوة حظوظ النفس ويحول القلوب من العداء إلى المحبة، في مقال أدبي بليغ يستعرض مواقف خالدة للإمام علي بن أبي طالب وصحابة رسول الله ﷺ في تجريد الإخلاص لله.

تجريد النية وفناء الهوى: رحلة مع الأنوار المحمدية بلسان الدكتور جابر بغدادي

​يا ولدي، تأمل ما صنعه سيدنا ومولانا الإمام علي بن أبي طالب ⁽¹⁾ -كرم الله وجهه- في لظى الحرب، حينما أطبق بيمينه على رجل من الأعداء وهَمَّ أن يقتله، فما كان من ذلك الرجل إلا أن بَصَقَ في وجه الإمام. في تلك اللحظة التي يغلي فيها الدم غضباً، أنزل الإمام سيفه وترك خصمه ومضى. فلما تعجب الناس من صنيعه وقالوا: "يا علي، لِمَ لم تقتله وقد أظفرك الله به وأمكنك منه؟"، أجابهم بلسان الروح الذي استضاء بنور النبوة: "إنما بَصَقَ في وجهي، فخفتُ أن أقتله وأنا أنتصر لنفسي".

​أحسبُ يا بني أن هذه دروس تربوية عظيمة الشأن؛ فقد كان الإمام حين أمسك بخصمه يحاربه إعلاءً لكلمة الله، فلما ناله الأذى الشخصي بالبصاق، خشي أن يمتزج قتله للرجل بشيء من حظ نفسه وثأره لذاته، فآثر أن يتركه حتى لا يكون قد قتله انتصاراً للحظه النفسي. إن النبي والبيت المحمدي لا ينتقمون لأنفسهم أبداً.

​انظر كذلك إلى قصة عمير بن وهب ⁽²⁾، الذي خُيّل إليه -كما خُيّل لغيره- أن بمقدوره أن ينال من جناب المصطفى . أتعلم يا ولدي ما الذي جاء بعمير إلى المدينة؟ لقد كان يتظاهر بظاهرٍ كاذب أنه جاء ليفدي ابنه الأسير، بينما كان قد جهز خنجره ونقعه في "السم الزعاف" الذي لا ينجو منه من ناله منه خدش يسير. فلما دخل على حضرة النبي ، قال له بفيض السكينة: "اجلس يا عمير، لِمَ جئت؟"، فكذب عمير وقال: "جئت من أجل ابني". فكشف له النبي أسرار الغيب قائلاً: «ألم تكن جالساً أنت وصفوان بن أمية في حجر الكعبة واتفقتما على قتلي؟».

​لم يكن معهما ثالث في ذلك المجلس! إنما هو الوحي الإلهي الذي يُسقط الأستار. ومع ذلك يا بني، قد يُلقى هذا النور على البعض فلا يؤمنون، فقد رأوا قبل ذلك معجزة "انشقاق القمر" ⁽³⁾ عياناً ولم يسلموا، بل قالوا بلسان الجحود: ﴿سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾. ولكن لعل المصطفى حنى بقلبه على عمير، فنظر إليه بعين الشفقة والرحمة؛ فجاء الرجل ليقتلنا، فتشفعنا له عند الله فأحييناه بنور الإيمان، فقبل منه الإسلام وصار من المخلصين.

​هذا هو سر النبي ، فانظر كيف ينعكس نوره على أصحابه. يقول سيدنا عمر بن الخطاب ⁽⁴⁾ -رضي الله عنه-: "والذي نفسي بيده، لخنزير في الجاهلية كان أحب إليّ من وجه عمير بن وهب"، فقد كان يبغضه بشدة قبل الإسلام، وزاد بغضه له بعد إسلامه هو (عمر) بسبب عداء عمير للدين. ولكن، ما إن وضع عمير كفه في كف رسول الله وبايعه على الإسلام، إلا وصار أحب إلى عمر بن الخطاب من ابنه عبد الله بن عمر!

​كيف تهاوت حظوظ النفس بهذه السرعة .. إنها بركة الحب والاتباع؛ إذ لا يكتمل إيمان المرء «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به» ⁽⁵⁾. نعم يا ولدي، لقد سلم الهوى أمره لصاحب الشريعة، فما دام النبي قد رضي عنه وقبله، فقد سقط كل هوى شخصي في النفس وصار المحبوبُ هو ما يحبه المصطفى .