Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة
توحيد الأفعال الايمان بالقدر

عقيدة الإيمان بالقدر: كيف تتوافق إرادة العبد مع مشيئة الرب؟ (قراءة في درر الدكتور جابر بغدادي)

مقال عقائدي يغوص في أعماق التوحيد، موضحاً كيف أن أفعال العباد وهممهم خاضعة تمام الخضوع لمشيئة الخالق، مستلهماً من قصص الأنبياء والآيات القرآنية حقيقة أن الله هو الخالق الأوحد للأسباب والمسببات.

​يا ولدي، إن من أُسس العقيدة الراسخة التي يُبنى عليها إيمان الموحدين، أن تعلم علم اليقين أنَّ مشيئة الله نافذة، وأنَّ إرادته حاكمة، وأن الكون كله في قبضته وتحت قهره. لا يتحرك متحرك، ولا يسكن ساكن إلا بأمره. وفي هذا المقام، نستلهم من فيوضات الإمام تاج الدين أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندري (ت 709 هـ)، حين لخص هذه العقيدة الصافية في كلماته: "سَوَابِقُ الهِمَمِ لا تَخْرِقُ أَسْوَارَ الأَقْدَارِ"[1]. إنها دعوة لتصحيح بوصلة التوحيد؛ فمهما بلغت نيتك، ومهما تعاظمت همتك، فإنك لا تستطيع أن تُغير واقعاً أو ترد قدراً أبرمه الله.

​ولنا في أنبياء الله أسوة في تحقيق هذا التوحيد الخالص؛ فلتنظر يا ولدي إلى نبي الله يعقوب عليه السلام. ألم يكن صاحب دعاء مستجاب؟ بلى، لقد دعا وتضرع وتبتل في محراب الشوق لولده، وكانت همته في طلب يوسف همةً عليةً لا تُضاهى. ولكن، هل استطاعت هذه الهمة أن تعجل بمراد الله قبل وقته المقدر؟ حاشا لله. لقد أجابه الحق سبحانه في الميقات الذي أراده، لا في الميقات الذي طلبه العبد. إن همة نبي، بل همة جبريل عليه السلام، لا تملك تعطيل أمرٍ مفعول.

​ويتجلى تمام العقيدة يا ولدي في رد يوسف عليه السلام، حين كشف عن عمق إيمانه بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، قائلاً: {يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [سورة يوسف: 100]. هو اعتراف كامل بأنَّ ما جرى من إخراجه من السجن، ومجيئهم من البدو، ونزغ الشيطان، لم يكن صدفةً عمياء، بل هو القدر المقدور الذي سُطر في اللوح المحفوظ. فكان لسانه يترجم عن عقيدة التسليم: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [سورة يوسف: 100].

​وفي صلح الحديبية، يتجلى توحيد الأفعال بأبهى صوره. سيدنا ومولانا رسول الله ﷺ، صاحب الهمة العظمى، وقف على مشارف مكة. ألا يعقل أنه لو دعا الله أن يفتح له مكة في تلك اللحظة لحصد المشركين حصداً أو ابتلعتهم الأرض؟ بلى، ولكنه أُشرب في قلبه عقيدة الرضا بمقادير الله. لقد منعهم الله من دخول مكة لحكمة بالغة، إما لاستنقاذ أجنة مؤمنة في أصلاب المشركين، أو إجلالاً للبيت الحرام. ولما قفل ﷺ راجعاً، نزلت سورة الفتح لتؤكد أن المنع الإلهي هو في حقيقته عين العطاء، وأن سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار، فنزل قوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [سورة الفتح: 1].

​ثم يلتفت المقال يا ولدي إلى براهين العقيدة المبثوثة في سورة الواقعة؛ لتقرير أن الله هو الخالق الأوحد. اقرأ قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} [سورة الواقعة: 58-59]، وقوله: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [سورة الواقعة: 63-64]. إن هذه الآيات تقرر عقيدة الإسلام في الأسباب. أنت تبذر الحب، وهذه همتك، ولكن الله هو الذي يخلق الزرع. أنت تأخذ بأسباب الزواج، ولكن الله هو الخالق للولد. وأنت تصلي الاستسقاء كما في قوله: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ} [سورة الواقعة: 68-69]، ولكن الله هو المُنزِل. إن توحيدنا لا يكتمل إلا بالاعتقاد الجازم بأننا نستعمل الأسباب امتثالاً، والنتائج بيد الله خلقاً وإيجاداً

الشيخ جابر بغدادي