Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/موسوعة التوثيق العلمي/أسرار ليلة القدر وتجليات العفو: قبسات روحانية في تفسير القرآن الكريم

أسرار ليلة القدر وتجليات العفو: قبسات روحانية في تفسير القرآن الكريم

8 استشهادات موثقةحديث صحيح (3)آية قرآنية (1)أثر صحيح (1)تراجم الأعلام (1)حديث حسن صحيح (1)أثر تفسيري (1)تأصيل شرعي (1)

تفريغ الكلمة المباركة

في هذا المقال الروحاني المقتبس من درر الشيخ جابر بغدادي، نغوص في أسرار «ليلة القدر» ولطائف الأعداد في القرآن الكريم، ونتأمل في فضل الصلاة على النبي وسر طلب العفو في أعظم ليالي شهر رمضان المبارك لتشرق الأرواح بنور اليقين.

يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، ولنا أن نتأمل يا ولدي في لطائف الأعداد وأسرار الحروف المودعة في كتاب الله، فحينما أحصى العارفون حروف كلمة «ليلة القدر» وجدوها تسعة أحرف، وإذا أنعمنا النظر في السورة الكريمة نجد أن كلمة «ليلة القدر» قد تكررت فيها ثلاث مرات. وماذا عساه يكن الناتج إن ضربنا الثلاثة في التسعة؟ إن الحصيلة سبعة وعشرون. ولعل هذا من أسرار الإشارات؛ فإن سورة القدر تتألف من ثلاثين كلمة، وحينما سُئل حبر الأمة وترجمان القرآن الإمام عبد الله بن عباس⁽¹⁾ (ت 68هـ)، رضي الله عنهما، عن ليلة القدر، قال مبديًا لطيفة من لطائف فهمه: «أظنها ليلة السابع والعشرين»؛ لأننا حينما نعد كلمات السورة الكريمة، نجد أن الضمير «هي» في قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ يقع في الترتيب السابع والعشرين.

ثم أنعم النظر يا بني إلى قول سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أرشد أمتَه فقال: «التمسوها»⁽²⁾. وموضع التأمل هنا يكمن في فقه هذه الكلمة النبوية الشريفة؛ وما حقيقة هذا الالتماس يا ولدي؟ إنه ليس بمجرد بحث عابر، بل هو سعي دؤوب، واستفراغ للوسع، وسد لكل الذرائع والثغرات التي قد تحول بينك وبين النور، حتى تدرك غايتك وتبلغ مرادك. ومن تمام هذا الالتماس أن تكون عَفُوًّا قبل أن تطلب العفو من مولاك. ويتجلى فقه كلمة «التمسوها» بوضوح حينما سألت أم المؤمنين وفقيهة نساء الأمة السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق⁽³⁾ (ت 58هـ)، رضي الله عنها، رسول الله صلى الله عليه وسلم عما تقوله إن هي وافقت هذه الليلة، فأجابها بقلب يتسع لأمته قائلًا لها: «قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا»⁽⁴⁾. وما مغزى هذا التوجيه يا ولدي؟ فكأنه يهمس في روحها الطاهرة قائلًا: «هل تدركين أعظم ما يُتقرب به إلى الله في ليلة القدر؟ إنها مسألة العفو».

ولنا أن نتوقف عند موقف جليل يعلمنا خطورة النزاع، فقد خرج الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم على أصحابه قائلًا لهم: «خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت»⁽⁵⁾، أرأيت يا ولدي مآل الجدل؟ تأمل شأن النزاع في رمضان وما قد يورثه من حرمان! وكيف يحجب عن الأرواح فيض اليقين وبركة التعيين.

ثم نعود إلى مطلع الآيات، حيث استدعى الحق تبارك وتعالى جلال التجلي بجلال العظمة في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾. فاستخدام نون العظمة هنا ينطوي على سر بديع، فما دام المتكلم عظيمًا جل جلاله، فلا ريب أن المنزَّل عظيم. وشكرًا لفضله سبحانه؛ فإنه لم يقل «إنا أنزلنا القرآن»، بل اكتفى بالضمير، إذ استغنى بجلال حضرته عن التصريح بلفظ «القرآن»؛ فيكفيه شرفًا ورفعة أنه صادر من لدن حكيم خبير. أضف إلى ذلك يا بني، أن لفظة الإنزال توحي بالتعطف، وتفيض بكرامة اللطف، فهو سبحانه ينزله من حضرته العالية العلية في ليلة القدر.

ولئن رمنا الوقوف على زمان هذه الليلة الكريمة، فإن الحق جل وعلا يصدح بالبيان: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. ومن هذه الآية المحكمة استبان لنا علم اليقين أن ليلة القدر لا بد أن تكون مستودعة في طيات شهر رمضان.

ويأتي البيان الرباني المعجز في قوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. وهنا يا ولدي، عند لفظة «خير»، تسجد الأعداد طوعًا وإجلالًا. فإن الكلمة يا بني في عُرف الزمان الذي تنزل فيه القرآن، كانت أقصى الأعداد المتداولة ومضاعفاتها تقف عند سقف «الألف». فبين المولى جل وعلا أنها «خير». لقد كان القرآن الكريم يسمو فوق علم الحساب في زمانه، ولا يُحاط بمدلول كلمة «خير»، فكل زمان سيأتي تتفوق فيه هذه الكلمة على أي تِعداد. فإذا قال الله «خير»، سجد الرقم صاغرًا.

ومما يروى في هذا المقام الجليل، أنه لما ذُكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلًا من بني إسرائيل⁽⁶⁾ حمل السلاح مجاهدًا ألف شهر متواصلة، عجب سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، وتساءل بقلب المحب الشفيق: ومن من أمتي يدرك هذا السبق؟ فماذا كان صنيع الحق جل وعلا؟ لقد طوى الزمن؛ طوى الزمن طيًا في هذه الليلة المبروكة ليعوض أمته ويرفع درجاتهم.

فاعلم يا بني، أن ليلة القدر تستند في أركانها العظمى إلى أمرين: القرآن والنبي. وها نحن في رحاب رمضان، وبين أيدينا القرآن، فما الذي نحتاجه لتمام النور؟ إننا نفتقر إلى الوصل بسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم.

فمن شروط ليلة القدر يا عباد الله، الصلة الوثيقة بسيدنا رسول الله، وتلقي هذه الصلة الوثيقة لا تتأتى للمريد إلا من كثرة الصلاة على حضرته، والتعلق به، وقراءة سيرته، والشفقة على أمته. فمن أسعد الناس برسول الله؟ إنه من كان أسعد الناس إكرامًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم⁽⁷⁾. نعم يا بني، هكذا تتجلى المودة وتُرفع الحجب.

بيان التوثيق العلمي

1
حديث صحيح
حديث صحيح آية قرآنيةحديث صحيح آية قرآنية
العودة إلى موضع القراءة
2
أثر صحيح
1 أثر صحيح أورده الإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت 911هـ)، مجدد القرن التاسع، في كتابه «الدر المنثور في التفسير بالمأثور»، نقلاً عن حبر الأمة وترجمان القرآن الإمام عبد الله بن عباس (ت 68هـ). وهذا التأصيل الدقيق يدعم الاستنباطات الروحية التي يقدمها الشيخ جابر بغدادي، ويوضح أن علم الحروف و«لطائف الأعداد» له أصل متين عند كبار الصحابة وأهل التفسير، وأن رفض هذه اللطائف يمثل فهماً حرفياً أعمى وجفافاً روحياً يقصي الفهم العميق لكتاب الله ويحرم المسلم من تدبر الإشارات القرآنية.
العودة إلى موضع القراءة
3
حديث صحيح
2 حديث صحيح أخرجه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256هـ)، أمير المؤمنين في الحديث، في «صحيح البخاري»، كتاب فضل ليلة القدر، باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر (حديث رقم 2017). المتن الكامل: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» وفي روايات صحيحة بلفظ «التمسوها». وهذا يثبت عمق توجيه الشيخ جابر بغدادي نحو السعي الدؤوب وتفعيل «مقام الإحسان»، وهو رد أكاديمي استباقي ومفحم على من يحاول تسطيح العبادة وتفريغها من جهد الروح والقلب، مكتفياً بظواهر النصوص دون الغوص في دلالاتها التربوية.
العودة إلى موضع القراءة
4
تراجم الأعلام
3 تراجم الأعلام السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق (ت 58هـ)، الصديقة بنت الصديق، أم المؤمنين وفقيهة نساء الأمة. استناد الشيخ جابر بغدادي لسؤالها وحرصها يُبرز حكمة الرجوع لأهل الفهم والورع، ويؤكد على أن الدين ليس مجرد قوالب جامدة منفصلة عن مشاعر المؤمن، بل هو فقه وحياة ومحبة تستوجب السؤال الدائم عن سبل النجاة.
العودة إلى موضع القراءة
5
حديث حسن صحيح
4 حديث حسن صحيح أخرجه الإمام محمد بن عيسى الترمذي (ت 279هـ)، صاحب الجامع الصحيح، في «سنن الترمذي»، كتاب الدعوات (حديث رقم 3513). المتن الكامل: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي». وهذا التوجيه النبوي أصل راسخ لما يدعو إليه الشيخ جابر بغدادي من ضرورة تطهير الباطن والتخلية قبل التحلية، وأن طلب العفو والمغفرة هو ذروة المطالب الروحية في ليالي التجلي.
العودة إلى موضع القراءة
6
حديث صحيح
5 حديث صحيح أخرجه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256هـ)، أمير المؤمنين في الحديث، في «صحيح البخاري»، كتاب فضل ليلة القدر، باب رفع معرفة ليلة القدر لتلاحي الناس (حديث رقم 2023). المتن الكامل: «خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاحَى فُلانٌ وفُلانٌ، فَرُفِعَتْ، وعَسَى أنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوها فِي التَّاسِعَةِ والسَّابِعَةِ والخامِسَةِ». وهنا تتجلى بوضوح عبقرية الشيخ جابر بغدادي في الربط المحكم بين النزاع والحرمان الروحي، محذراً بقوة من قسوة القلب التي تنتج عن الجدال والتنطع والمراء الذي يهدم بركات الأوقات الفاضلة.
العودة إلى موضع القراءة
7
أثر تفسيري
6 أثر تفسيري أورده الإمام عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير (ت 774هـ)، المحدث والمفسر، في «تفسير القرآن العظيم»، وقد أورده الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ)، إمام المفسرين، في «جامع البيان» عن شيخ المفسرين الإمام مجاهد بن جبر (ت 104هـ). وهذا المورد الجليل يؤصل لـ «القياس الوعظي» واستخدام القصص الروحي لترقيق القلوب، مستنداً إلى الحديث الصحيح المتفق عليه: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج». وهذا الرد الأكاديمي يدحض بشكل حاسم شبهات المتنطعين الذين يحاولون تقزيم مقامات الأنبياء والأولياء، ويثبت أن أسلوب الشيخ جابر بغدادي هو امتداد طبيعي ورصين لمنهج السلف الصالح في الوعظ والتذكير، وليس ابتداعاً مذموماً كما يدعي أصحاب الجفاف الروحي.
العودة إلى موضع القراءة
8
تأصيل شرعي
7 تأصيل شرعي أخرجه الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي (ت 458هـ) في «دلائل النبوة»، والإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ) في «المسند»، من حديث الصحابي الجليل الأسود بن سريع. المتن الكامل: «يا رسولَ اللهِ، إنِّي قد مدَحتُك بِمِدْحَةٍ ومَدَحتُ ربِّي، قال: أمَّا إنَّ ربَّكَ يُحِبُّ الحمدَ، فمَدَحَه» وفي روايات أخرى استمع النبي لمدحه وأقره. وهذا دليل قاطع من صحيح السنة الشريفة على إقرار النبي ﷺ لـ «المدح المباشر» لشخصه العظيم (ومثله إنشاد الصحابي كعب بن زهير لقصيدة بانت سعاد في المسجد النبوي وخلع النبي لبردته عليه). ومن هنا نؤكد بقوة وحزم أكاديمي على أن محاربة مدح النبي والإنكار على المحبين المكثرين من الصلاة عليه ليس له أي معنى سوى الحقد الدفين على مقام النبوة وبغضه، وأن محاربة هذا الحب الطاهر باسم الدفاع عن السنة المزعومة ما هي إلا محاولة خبيثة لإسقاط الدين بالدين. وبذلك يتأصل منهج الشيخ جابر بغدادي في الحث على كثرة الصلاة والتعلق بمقام النبوة الأكمل، باعتباره بوابة الوصول وأنوار القبول.
العودة إلى موضع القراءة

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.