الجزاء المكنون: صوم العارفين والفرح بلقاء الخالق.
«يقول الله عز وجل: الصوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي»
الجزاء المكنون: صوم العارفين والفرح بلقاء الخالق.
سياق الشرح
ينتقل الشيخ بالمريد من فرحة الإفطار اليومية إلى الغاية الكبرى في الآخرة، مبيناً أن الترويض طوال الثلاثين يوماً ما هو إلا إعداد لروح العبد حتى تحتمل نور الفرحة العظمى وهي لقاء الله تعالى.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث متوجاً رحلة السالك ببيان الغاية العظمى للعبادة: ولا يزال الحق تبارك وتعالى يوالي عليك يا ولدي أفراحه ثلاثين يوماً متتالية، لتكون هذه الأيام مدرسة علوية تروض روحك، وتصقل مرآة قلبك، وتهيئها لاستقبال الفرحة الثانية الأكبر: «وفرحة عند لقاء ربه». فكمال الرضا لا يتجلى إلا يوم اللقاء الأكبر في مستقر الرحمة. ويؤكد هذا المعنى الجلي ما ورد في الحديث القدسي الذي أخرجه الإمام البخاري؛ إذ ينادي الحق جل جلاله: «الصوم لي وأنا أجزي به». وهنا يقف الشيخ موقف المحقق المتبصر ليتساءل: فما هو هذا الجزاء المكنون الذي نسبه الخالق لذاته العلية ولم يحدده بمقدار؟ يجيبنا إشراق الفهم الصوفي السني بأن هذا الجزاء ليس إلا بلوغ "مقام الشهود" ورؤية الجمال المطلق. هذا التأصيل العميق يخرس ألسنة الجاحدين الذين يُسقطون الدين بالدين حين يُنكرون على العارفين أشواقهم، فتراهم يحصرون نعيم الآخرة في الأكل والشرب وحسب، غافلين عن قمة النعيم التي عبر عنها القرآن في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، فكان الصيام الذي هو كف عن الشهوات في الدنيا، طريقاً مفتوحاً للنظر إلى ذات الله في الآخرة بلا حجاب ولا تشبيه.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن إخفاء ماهية الجزاء في قوله تعالى "وأنا أجزي به" هو إشارة خفية إلى عظمة العطاء، والذي يتمثل في أرقى مقامات الإحسان، حيث يلتذ الصائمون بالنظر إلى وجه ربهم الكريم جزاء تخليهم عن حظوظ النفس.
