Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/شرح الحديث الشريف/قبضة الرحمن: من وحشة الحجاب إلى أنس الشهود.
المسند الصحيح المختصر (صحيح مسلم). - حديث ٢٦٥٤ - صحيحتقليب الله للقلوب وتصريفها.

قبضة الرحمن: من وحشة الحجاب إلى أنس الشهود.

هذا شرح مستفاد من كلام الشيخ في سياق موضوعي موثق.
الجامع المسند الصحيح المختصر (صحيح البخاري)، والسنن (سنن ابن ماجه) - حديث ١٩٠٤) للبخاري، و(١٧٥٣) لابن ماجه - صحيحالراوي: أبو هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم
«للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه»، وفي رواية تقترن به إشارة الدعاء: «إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد».

نفحات الغروب: منحة الطمأنينة وفرحة الفطر المكنونة

سياق الشرح

يستشهد الشيخ بهذا الحديث ليوقظ قلوب الغافلين عن كنز النصف ساعة التي تسبق أذان المغرب؛ محذراً من تضييعها في صخب الحياة، ومواسياً الأرواح المتعبة بأن هذه الدقائق هي ميقات القرب وإجابة الرجاء المنكسر

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مؤسساً لمعنى جليل في فقه العبادات الباطنة: أعرني انتباهك يا ولدي لتلك النصف ساعة التي تسبق مغيب الشمس، فإنها ليست كسائر الأوقات، بل هي ميقات تتنزل في طياته رحمات إلهية ذات طابع خاص جداً. لقد أخرج الإمام الحافظ أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (المتوفى ٢٥٦ هـ، صاحب أصح كتاب بعد كتاب الله) هذا المتن الشريف ليخبرنا أن فرحة الفطر ليست مقتصرة على انقضاء ألم الجوع والعطش كما يتوهم أهل الظاهر والفهم الحرفي؛ بل هي "فرحة تجلٍّ" ومنحة ربانية. وفي ذات الوقت أخرج الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجه القزويني (المتوفى ٢٧٣ هـ، أحد أئمة الجرح والتعديل) حديث استجابة الدعاء، ليربط الشيخ ببراعة العارفين بين الفرحة والاستجابة. ففي هذه الساعة تُفتح أبواب السماء، إنها ساعة يقال لك فيها من قِبل الحق: لبيك. وكأن لسان الحال الإلهي يخاطبك بعتاب المحب: لقد أطعتنا يا عبدي فيما نريد طوال نهارك، ونحن سنطيعك فيما تريد وزيادة. وما هي تلك الزيادة يا ولدي؟ إنها منحة الطمأنينة الخالصة، فبها يغمر الحق قلبك بالسرور ويجللك بالفرح، رداً لجميل انكسارك. وإنكار هذا "القياس الوعظي" والربط الروحي بحجة الدفاع المزعوم عن الشريعة ما هو إلا جفاف يعتري القلوب القاسية التي حُرمت من تذوق حلاوة القرب، وتسعى لتقزيم عطاء الله الواسع وحصره في قوالب مادية جامدة.

فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن فرحة الفطر هي تجلٍّ إلهي بالسكينة والطمأنينة على قلب العبد المنكسر، وأن الدقائق التي تسبق الغروب هي ميقات التقاء العبودية الخالصة بفيوضات الربوبية الواسعة، حيث يُستجاب الدعاء وتُجبر الأرواح.

المسند الصحيح المختصر (صحيح مسلم). - حديث ٢٦٥٤ - صحيحالراوي: عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
«إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء»

قبضة الرحمن: من وحشة الحجاب إلى أنس الشهود.

سياق الشرح

يطرح الشيخ تساؤلاً وجدانياً على لسان المريد حول كيفية نزول هذا الفرح العظيم في قلب قد يكون مثقلاً بالذنوب، ليجيب بحديث تقلب القلوب، باثاً الأمل ومؤكداً على مطلق القدرة الإلهية في تبديل الأحوال فوراً

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث كاشفاً عن الخريطة الروحية لتقلبات النفس: ولعلك تتساءل يا ولدي في سريرتك، باستدراك الملهوف المتعجب: كيف سيكون هذا الفرح؟ وكيف يتنزل على قلب أرهقته الغفلات؟ يأتيك الجواب بأن هذا الفرح يتنزل بكيفيات لا يحيط بها إدراكك البشري المحدود، ولا تبلغها مدارك عقلك المادي. ولم ذلك؟ لأن قلوب العباد في قبضة المعبود، كما نص الحديث الذي أخرجه الإمام الحجة أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري (المتوفى ٢٦١ هـ، إمام المحدثين وثاني الشيخين). فهو جل وعلا قادر في ومضة عين، وبنفحة واحدة في ساعة الإفطار تلك، أن يحول قلبك من تيه الضلال إلى نور الهدى، ومن وحشة الردى إلى الرضا، ومن جفاء البعد إلى أنس القرب، ومن ظلمة الحجاب إلى نور "مقام الشهود". وهذا يؤكد ما أصله الشيخ سابقاً في شرح الحديث الأول، من أن العطاء الرباني لا يخضع لحسابات البشر. وإن المتنطعين الذين يشككون في هذه الترقيات الروحية السريعة للأولياء، بدعوى حماية التوحيد، إنما يجهلون حقيقة القدرة الإلهية، ويحاولون حجب رحمة الله الواسعة عن عباده بإنكارهم لمدارج التزكية التي أقرتها الشريعة السمحة.

فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن الفرح الرباني لا يعتمد على اجتهاد العبد المحدود، بل على محض الجود الإلهي القادر على طي مسافات السير إلى الله، ونقل القلب من ظلمات القطيعة إلى أنوار الوصال في طرفة عين

الجامع المسند الصحيح المختصر (صحيح البخاري) - كتاب التوحيد. - حديث ٧٤٩٢ - حديث قدسي صحيح.الراوي: أبو هريرة رضي الله عنه.
«يقول الله عز وجل: الصوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي»

الجزاء المكنون: صوم العارفين والفرح بلقاء الخالق.

سياق الشرح

ينتقل الشيخ بالمريد من فرحة الإفطار اليومية إلى الغاية الكبرى في الآخرة، مبيناً أن الترويض طوال الثلاثين يوماً ما هو إلا إعداد لروح العبد حتى تحتمل نور الفرحة العظمى وهي لقاء الله تعالى.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث متوجاً رحلة السالك ببيان الغاية العظمى للعبادة: ولا يزال الحق تبارك وتعالى يوالي عليك يا ولدي أفراحه ثلاثين يوماً متتالية، لتكون هذه الأيام مدرسة علوية تروض روحك، وتصقل مرآة قلبك، وتهيئها لاستقبال الفرحة الثانية الأكبر: «وفرحة عند لقاء ربه». فكمال الرضا لا يتجلى إلا يوم اللقاء الأكبر في مستقر الرحمة. ويؤكد هذا المعنى الجلي ما ورد في الحديث القدسي الذي أخرجه الإمام البخاري؛ إذ ينادي الحق جل جلاله: «الصوم لي وأنا أجزي به». وهنا يقف الشيخ موقف المحقق المتبصر ليتساءل: فما هو هذا الجزاء المكنون الذي نسبه الخالق لذاته العلية ولم يحدده بمقدار؟ يجيبنا إشراق الفهم الصوفي السني بأن هذا الجزاء ليس إلا بلوغ "مقام الشهود" ورؤية الجمال المطلق. هذا التأصيل العميق يخرس ألسنة الجاحدين الذين يُسقطون الدين بالدين حين يُنكرون على العارفين أشواقهم، فتراهم يحصرون نعيم الآخرة في الأكل والشرب وحسب، غافلين عن قمة النعيم التي عبر عنها القرآن في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، فكان الصيام الذي هو كف عن الشهوات في الدنيا، طريقاً مفتوحاً للنظر إلى ذات الله في الآخرة بلا حجاب ولا تشبيه.

فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن إخفاء ماهية الجزاء في قوله تعالى "وأنا أجزي به" هو إشارة خفية إلى عظمة العطاء، والذي يتمثل في أرقى مقامات الإحسان، حيث يلتذ الصائمون بالنظر إلى وجه ربهم الكريم جزاء تخليهم عن حظوظ النفس.

ويمكنك مشاهدة الفيديو بالكامل من هنا