حرمة الأولياء والعلماء وخطورة الطعن فيهم
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فِي مَجْلِسٍ يَوْمًا: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلَاءِ، لَا أَرْغَبَ بُطُونًا، وَلَا أَكْذَبَ أَلْسُنًا، وَلَا أَجْبَنَ عِنْدَ اللِّقَاءِ، فَقَالَ رَجُلٌ فِي الْمَجْلِسِ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ مُنَافِقٌ، لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَأَنَا رَأَيْتُهُ مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُنَكِّبُهُ الْحِجَارَةُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾.
حرمة الأولياء والعلماء وخطورة الطعن فيهم
سياق الشرح
تحذير شديد من سوء الظن بالعلماء والأولياء، واستدلال بغضب النبي صلى الله عليه وسلم ممن سخر من حفظة القرآن والصحابة، لبيان أن إيذاء حملة الشرع هو طعن صريح في جناب النبوة.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مؤسساً لمعنى جليل في حفظ مقامات الرجال ومراعاة الأدب مع ورثة الأنبياء: يا ولدي، إن لحوم العلماء مسمومة، شمها يمرض القلوب، وأكلها بالغيبة يقتل الأرواح، فالشم هنا إشارة إلى مجرد سوء الظن بهم، وهو مرض يورث الحجاب عن الله، ولو لم يصبك من الطعن فيهم إلا الحرمان من بركة محبتهم لكفى به خسراناً مبيناً.
ولتأكيد هذا المعنى الجليل، ساق الشيخ هذه الرواية التي حدثت في غزوة تبوك، حيث استهان رجل بمقام القراء من الصحابة، فظن أن مزاحه يمر بلا حساب، غير مدرك أن الطعن في الملحقين بالنبي صلى الله عليه وسلم هو طعن في النبوة ذاتها.
ولاحظ يا ولدي كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل العذر، ولم يلتفت إلى استعطاف الرجل وهو متعلق بفرسه أو ناقته تدميه الحجارة، بل استمر في تلاوة قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾.
وهنا يؤكد الشيخ على صحة الاستدلال وعمقه، متسائلاً: هل ذكر الرجل الله أو رسوله؟ ويجيب إجابة العارفين: إن هؤلاء الرجال محسوبون على النبي صلى الله عليه وسلم، وهم حملة قرآنه، فمن أهانهم فقد استهان بصاحب الرسالة.
وإلا كيف يغضب النبي هذا الغضب الشديد لكلمة قيلت في أصحابه ولم تُقَل في حقه مباشرة؟ فهذا يثبت لك بالبرهان الساطع أن إكرام الأولياء والعلماء من إكرام الله، والطعن فيهم هو عين الاستهزاء بآيات الله.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن مقام العلماء والصحابة والأولياء موصول بجناب النبوة، وأن الاستهزاء بهم ليس من قبيل زلات اللسان العابرة، بل هو قادح في الإيمان يورث الحجاب ويقطع العبد عن مدد السماء.
