تجليات الشوق في مقامات المحبين
«إن لي عباداً أحبهم ويحبونني، أشتاقهم ويشتاقون إلي، يتحينون الظلال في النهار ويحنون إلى الليل كما تحن الطير إلى أوكارها...»
تجليات الشوق في مقامات المحبين
سياق الشرح
انتقل الشيخ من بيان لذة العبادة وكيفية العروج في الصلاة، إلى بيان الثمرة الكبرى لتلك الطاعات، وهي حصول المحبة المتبادلة بين العبد وربه، وتجلي الله على أرواح المحبين بالقبول والرضا.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مبرزاً أسرار المحبة ومقامات الشوق الإلهي التي تثمرها العبادة الحقة: يا ولدي، اعلم أن للحب الإلهي تجليات لا تدركها إلا الأرواح التي تخلت عن أثقالها، فالله جل جلاله يباهي بأقوام وصفهم بقوله في الحديث «أحبهم ويحبونني»، وهذا سر عظيم من أسرار الاصطفاء الرباني. هؤلاء القوم يعيشون في الدنيا بأجسادهم، لكن قلوبهم معلقة بالملأ الأعلى، "يتحينون الظلال في النهار ويحنون إلى الليل" شوقاً للمناجاة والخلوة بالحبيب، كما تحن الطير إلى أوكارها لتأوي إليها في سكينة واطمئنان. يصف الشيخ حالهم في هذا الموقف المهيب؛ فهم بين يدي الله قد "أفرشوا وجوههم" ذلاً وانكساراً، وتتنوع أحوالهم ومقاماتهم بين متأوه من ثقل التقصير، وباكٍ من خشية الله، وصارخ من لوعة الشوق، وشاكٍ من ألم البعد. يتملقون الله بإنعامه، ويتكلمون بكلامه، كما يشير الإمام ابن عجيبة (المتوفى سنة 1224 هـ، العالم الصوفي والمفسر الشهير) في إشاراته إلى أن أنين المذنبين والمحبين في الأسحار أحب إلى الله من زجل المسبحين المدلين بأعمالهم. وهنا يطرح الشيخ التساؤل المدهش، ناقلاً لسان العناية الإلهية: "أتعرف ماذا أعددت لهم؟"، لتأتي العطية الكبرى التي لا تدانيها عطية، وهي "أني أنظر بوجهي إليهم". وإلا كيف تصمد هذه الأرواح الضعيفة في مسيرها الشاق دون مدد متصل من نظرة الرضا؟ فإذا حصلت هذه النظرة الإلهية، تبدلت الكينونة، وخرج العبد من سجن "طور الجسد إلى سعة محطة الروح". حينها تصير العبادة من الله وإلى الله، وتجري الحكمة على لسان العبد وفعله، ويتلطف الحق بضعفه، فتنعكس الآية؛ فبدلاً من أن يجر الجسد الروح إلى أسفل، "حملت الروح الجسد" وحلقت به، وزال عنه كل شائبة من شوائب النفس، ليحظى العبد من الله بعطية "القبول قبل الإقبال"، وهو ما يكمل معنى المعراج الذي أصله الشيخ في الحديث السابق. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن غاية الطاعة وثمرتها العظمى هي بلوغ مقام المحبة والشوق، حيث تتجلى النظرة الإلهية على العبد فتنقله من كثافة الجسد الترابي إلى لطافة الروح النورانية، فتصير طاعاته وإقباله محض فضل ومدد من الله يجري عليه بحكم القبول المسبق والرضا التام.
