Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/شرح الحديث الشريف/موانع التجلي في مواسم المغفرة: التخلية من الشحناء وعقدة الإصرار
سنن ابن ماجه - حديث 1390 - صحيح لغيرهسلوك

موانع التجلي في مواسم المغفرة: التخلية من الشحناء وعقدة الإصرار

هذا شرح مستفاد من كلام الشيخ في سياق موضوعي موثق.
سنن النسائي - حديث 2357 - حسنالراوي: أسامة بن زيد
«ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ»

السر الروحاني في خواتيم الأعمال: لماذا تُرفع الصحائف ونحن صيام؟

سياق الشرح

ساقه الشيخ مبشراً بسعة رحمة الله ومواسياً للقلوب المنكسرة من كثرة الذنوب، ومبيناً أن الحكمة النبوية من الصيام في شعبان هي أن تُختم صحيفة الأعمال السنوية بطاعة كبرى، لعل الله ينظر إلى خاتمتها فيتجاوز عما قبلها.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مؤسساً لمعنى جليل في فقه الرجاء والتعلق بفضل الله: يا ولدي، إن شهر شعبان المكرم هو الميقات الأعظم الذي ترفع فيه الأعمال إلى حضرة الله جل جلاله، ومن فيض كرمه وعظيم جوده سبحانه وتعالى، أنه حين تعرض عليه صحائف العباد، لا يستقصي قراءتها ليحاسب على كل زلة، بل ينظر بعين الرحمة إلى "آخر سطر" فيها. وهذا ما استنبطه الشيخ من هذا الحديث الشريف الذي أخرجه الإمام الحافظ النسائي (المتوفى سنة ٣٠٣ هـ، ركن من أركان الحديث وصاحب السنن). فالمعنى الإشاري هنا ليس مجرد الإمساك عن الطعام والشراب، بل أن يرتفع عملك وأنت في حالة صفاء روحي وانقطاع عن حظوظ النفس، ليكون هذا الانكسار هو الخاتمة المشرقة لعامك. فاعلم يقيناً يا ولدي أن الله لا يلتفت إلى جرائمك السالفة ولا إلى زلاتك المتتابعة بحثاً عن معاقبتك، بل يبحث لك في طيات صحيفتك المرفوعة عن توبة قريبة ومخرج من ذنبك. كأن لسان حال الرحمة يتساءل أمام الملائكة: ألم يبر هذا العبد بأمه فيقبل يدها؟ ألم يرفع حجراً أو أذى من طريق الناس؟ ألم يكظم غيظاً في قلبه؟ بل إن الصمت ذاته قد يجعل لك فيه مخرجاً، فنبحث لك بين السطور عن "صدقة صامتة". فإن لم يكظم غيظه وهو قادر على إنفاذه، أو لم يتحمل أذى الخلق، فهل ذرفت عيناه دمعة من خشية الله؟ ألم يحدث نفسه يوماً بعد طول جفاء قائلاً: لقد طال أمد الغفلة وساء الأدب مع الله، فهلم بنا نركع لله ركعتين؟ وهنا تتجلى روعة الربط النبوي، فلو رفع العمل وفيه ألف زلة، ولكن آخر سطر فيه "صائم منكسر لله"، فإن الصيام يجبر ما قبله. كأنه سبحانه ينادي ملائكته ليقرأ آخر سطر في صحيفتك: هل أسعف مسكيناً؟ هل قضى ديناً عن أخيه المسلم؟ لعل عبداً قد أسعف ملهوفاً بعد أن اقترف جناية وجريمة، فيتجاوز عنه! فلتوسع يا ولدي في قلبك آمال العطاء، ولتنفسح في روحك رجاءات المغفرة، لأنك ترجو وتتأمل وتؤمل في رب كريم يقلب الموازين بفضله. وكيف لا يغفر لك وقد تلمس لك الأعذار ليرفع عملك وأنت على طاعة؟ فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن العبرة في صحائف الأعمال بخواتيمها، وأن سيدنا رسول الله أرشدنا إلى تغليف أعمالنا السنوية بغلاف الصيام والانكسار، لتنظر عين الرضا الإلهي إلى تلك الخاتمة المضيئة فتمحو ظلمات الذنوب السالفة بفضل الله وكرمه.

سنن ابن ماجه - حديث 1390 - صحيح لغيرهالراوي: معاذ بن جبل
«إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ»

موانع التجلي في مواسم المغفرة: التخلية من الشحناء وعقدة الإصرار

سياق الشرح

جاء سياق كلام الشيخ محذراً من موانع المغفرة، ومؤكداً أن الفيوضات الإلهية في مواسم الخير قد تحجب عن العبد بسبب كبرياء نفسه وإصراره على المعصية أو خصومته وعداوته للناس.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث محذراً وموجهاً لمراتب التخلية قبل التحلية: وما هذه الليالي الغراء والمواسم المباركة إلا نفحات وكرائم ربوبية، تنجلي بأنوارها على الضعفاء والفقراء والمساكين من عباده، أولئك الذين قد تضيق بهم سبل التوبة، أو تعجز ألسنتهم عن الاستغفار. ولكن، احذر يا ولدي أن يعطل هذا التجلي عليك أمران خطيران أشار إليهما سيدنا رسول الله في هذا الحديث الذي أخرجه أئمة الحديث كالإمام ابن ماجه، وكذلك الإمام الطبراني (المتوفى سنة ٣٦٠ هـ، مسند الدنيا) في معجمه. هذان المانعان هما: الإصرار والاستكبار؛ فقد جاء الاستثناء من هذا الفضل النبوي الشريف لكل مشرك ومشاحن. يا ولدي، إن "المشاحن" ليس مجرد المتخاصم، بل هو الذي امتلأ قلبه بالغل والكبرياء، فاستعصى على العفو واستكبر عن مسامحة خلق الله، فكيف يطلب العفو من الخالق وهو يبخل به على المخلوق؟ والشيخ يشير إشارة لطيفة إلى أن الشحناء هنا تقترن بـ "عقدة الإصرار"؛ فالنداء الرباني في رفع الأعمال ينادي الملائكة: هاتوا أسماء المذنبين، لعل مصراً قد انحلت في قلبه عقدة الإصرار، فله العفو! فمن رام نظرة العفو والرضوان، فليحلل من قلبه عقدة الإصرار على الذنوب، وليتزين بالتواضع، وليتجرد قليلاً من كبرياء نفسه وشحنائها. ويؤكد هذا المعنى الجلي ما أصله الشيخ سابقاً في شرح أهمية خواتيم الأعمال، فكما أن الطاعة تجبر الذنب، فإن الشحناء تحبط العمل. فيا حسرة على من ضيعت حظوظ نفسه الهوى حظوظاً إلهية كبرى ومنحاً ربانية عظمى! فاعلم يا ولدي أن هذه العطايا إنما أعدت للقلوب الحنونة المنكسرة، والأيادي الكريمة السخية، والجفون السيالة بالدموع في الأسحار. ووالله، قد تنجيك من لجة الذنوب الغارقة التي انغمست فيها، مساهمة يسيرة لا تلقي لها بالاً، شرط أن تخلي قلبك من الشحناء؛ دمعة ذرفت من حنين أو شوق إلى الله، أو لقمة وضعتها في فم جائع، أو كلمة طيبة جبرت بها خاطراً مكسوراً لمن بينك وبينه شحناء. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن سلامة الصدر وطهارة القلب من الغل والإصرار على الذنب هما شرط أساسي لاستقبال النفحات الإلهية، وأن الله الغفور لا يعطل فضله عن عباده إلا إذا عطلوا هم قلوبهم بالكبر والمشاحنة.

ويمكنك مشاهدة الفيديو بالكامل من هنا

موانع التجلي في مواسم المغفرة: التخلية من الشحناء وعقدة الإصرار | شرح الحديث الشريف | الشيخ جابر بغدادي