Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/شرح الحديث الشريف/سر الأحدية ودعاء الله باسمه الأعظم
سنن أبي داود - حديث 1493 - صحيحتزكية

سر الأحدية ودعاء الله باسمه الأعظم

هذا شرح مستفاد من كلام الشيخ في سياق موضوعي موثق.
سنن أبي داود - حديث 1493 - صحيحالراوي: بريدة بن الحصيب الأسلمي
«سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. قَالَ: فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى»

سر الأحدية ودعاء الله باسمه الأعظم

سياق الشرح

جاء في سياق بيان أسرار سورة الإخلاص والتداوي بها، وأن الالتجاء إلى الله بصفاته المذكورة فيها هو حصن من الشيطان ومفتاح لاستجابة الدعاء ونيل مقام الاصطفاء.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي

في شرح الحديث غائصاً في بحار التوحيد ومُستخرجاً لآلئ المعاني: إن اللجوء إلى الله بصفات الأحدية والصمدية هو عين النجاة، وهو باب العصمة من مكايد الشياطين التي يلهث الناس للنجاة منها في غير مظانها.
اعلم يا ولدي أن هذا الصحابي الذي ذكره النبي ، والذي استدل به الشيخ في سياق حديثه، لم يدعُ بلسانه فحسب، بل دعا بقلبٍ تشرّب معاني سورة الإخلاص حتى فاضت أنوارها على جوارحه.
فقد أصل الشيخ أن التوحيد هنا يتجلى في أربعة مقامات يجب أن يعيشها السالك: "الأحدية" التي تعني أن ذاته لا تقبل التبعيض، و"الواحدية" التي تنفي عنه التعداد، و"الصمدية" التي تُظهر كمال غناه وافتقار كل موجود إليه، و"الفردانية" التي تنفي عنه المثيل والنظير ﴿وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ﴾.
فإذا تأدب العبد مع هذه المعاني الأربعة، سقطت عنه الأغيار، وطهُر قلبه من الالتفات إلى السوى، وصار مجاب الدعوة؛ لأن قلبه صار وعاءً لماء الحياة.
وهنا نلحظ إشارة الشيخ العميقة والدقيقة إلى الفرق بين "المُخلِص" و"المُخلَص"؛ فالمُخلِص هو من جاهد نفسه في البدايات مُهتدياً، يحاول أن يصفي عمله لله، أما المُخلَص فهو من اصطفاه الله في النهايات فصار محفوظاً بحفظه ومصروفاً عنه السوء ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾، فهو هاربٌ إلى الله، لا يرى لنفسه حولاً ولا قوة، فمن احترقت بداياته بصدق التوجه والإخلاص، أشرقت نهاياته بنور التخليص والاجتباء، فاستجاب الله دعاءه وأعطاه سؤله.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: إن الدعاء باسم الله الأعظم المكنون في سورة الإخلاص ليس مجرد ترديد لألفاظ محفوظة، بل هو تحقق قلبي بمقامات التنزيه والافتقار المحض لله، فمن نطق به حالاً وتأدباً قبل المقال، انفتحت له أبواب الإجابة وصار من عباد الله المصطفين.

سنن الترمذي - حديث 2901 - صحيحالراوي: أنس بن مالك
«كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلاةِ مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ افْتَتَحَ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ... فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا فُلانُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ؟ وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا. فَقَالَ: حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ»

سورة الإخلاص.. ماء الحياة وحصن القلوب

سياق الشرح

ذكره الشيخ للتدليل على أن التعلق القلبي بمعاني سورة الإخلاص يورث الجنة، وأنها كافية لمن أراد أن يصحح توحيده ويصف ربه وصفاً يليق بجلاله.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي

في شرح الحديث مُبيناً سر التعلق بكلام الله ومُصححاً لمسار السالكين: إن هذا الصحابي الجليل قد وقع في أسر المحبة، ولم يلتفت إلى لوم اللائمين حين استغرق قلبه في شهود صفات الجلال والكمال في ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
يا ولدي، إن هذا الحديث يؤكد ما أصله الشيخ سابقاً من أن سورة الإخلاص هي حصن حصين، ومفتاح لكل خير، وترياق لأدواء القلوب.
وقد استدعى الشيخ في هذا المقام قول الإمام الجنيد (ت ٢٩٨ هـ، سيد الطائفتين وإمام العارفين): "من داوم عليها سقطت عنه الأغيار"، وقول الإمام ابن عجيبة (ت ١٢٢٤ هـ، العالم الرباني والمفسر المُقْرىء): "هي ماء الحياة في القلب، لأنها تُعيد إليه فطرته السليمة".
فحب هذا الرجل للسورة لم يكن حباً سطحياً، بل كان حباً لمعاني التنزيه، حباً جعله يعبد الله لله، فلا يرى لنفسه فضلاً، ولا يطلب على طاعته أجراً، ولا يَمُنُّ على ربه بعمل، وهي الأحاسيس الثلاثة التي نص الشيخ على ضرورة استشعارها لمن أراد التداوي بهذه السورة.
هذا هو المحك الحقيقي للإخلاص، أن تتطهر من حظوظ النفس، فكان الجزاء من جنس العمل، أن بشره النبي بالجنة، لأن المحب يطير بجناح محبوبه إلى أعلى عليين.
ولأنها السورة التي جمعت "رُبع العقيدة" كما وصفها الشيخ، وصارت لسان حال المحبين إذا ما أرادوا أن يصفوا ربهم بإيجاز مُعجز.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: إن حب صفات الله عز وجل والتعلق بها يورث العبد طهارة في القلب وارتقاءً في المقامات، وأن من استوطن الإخلاص قلبه، فاضت أنواره على جوارحه، فكانت أعماله كلها خالصة مقبولة تُدخله في رياض رضوان الله الأكبر.

صحيح مسلم - حديث 1905 - صحيحالراوي: أبو هريرة
«إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ»

أرواح الأعمال وسر الإخلاص

سياق الشرح

ذكره الشيخ ليضرب به أروع الأمثلة وأشدها رهبة على خطورة العمل بغير إخلاص، مبيناً أن صورة العمل الصالح لا تغني عن العبد شيئاً إن كان باطنه يطلب رضا الخلق.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث محذراً ومُقرعاً قلوب الغافلين بقوارع الحق: إن من الحُمق يا ولدي أن تُتعب جسدك في عبادة تبدو في ظاهرها لله، بينما قلبك يطوف حول مدح الخلق وثنائهم، تعبد الحق ووجهك إلى الخلق.
ويؤكد هذا المعنى الجلي ما أصله الشيخ في بداية حديثه مستلهماً حكمة الإمام ابن عطاء الله السكندري (ت ٧٠٩ هـ، تاج الدين وقطب العارفين): "الأعمالُ صُوَرٌ قائمةٌ، وأرواحُها وجودُ سِرِّ الإخلاصِ فيها".
فهؤلاء الثلاثة: الشهيد، والعالم، والمنفق، قدموا لله صُوراً خاوية بلا أرواح؛ فالأول قدّم صورة البسالة، والثاني صورة العلم، والثالث صورة الجود، ولكنها كانت أجساداً ميتة لأن سر الإخلاص لم يسرِ فيها.
لقد احتجبوا بالنعم عن المُنعِم، كما عبر الشيخ، وجعلوا العبادة سُلّماً لنيل حظوظ النفس وسماع كلمة العذاب الكامنة في: "وقد قيل!".
فما أشنع أن يكون حظ العبد من طاعته مجرد هتاف الناس باسمه، يُعظمونه في الطرقات ويُشيرون إليه بالبنان، ثم يُسحب على وجهه يوم القيامة إلى النار لأن وجهته لم تكن خالصة للحق.
إن هذا الموقف المهيب يُحتم علينا صدق التوجه، وأن نفرّ إلى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لنداوي بها آفات الرياء، ونسقط بها الأغيار من قلوبنا، حتى يكون الباطن متوافقاً مع الظاهر، ولا نطلب من غير الله ما لا يُطلب إلا منه.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: إن قبول الأعمال عند الله لا يُقاس بضخامتها ولا بصورتها البديعة في أعين الناس، بل بخلوص النية فيها له سبحانه، فالرياء الخفي يحبط أعظم الأعمال ويحيلها رماداً، والنجاة محصورة في الصدق والتجرد التام لله رب العالمين.

ويمكنك مشاهدة الفيديو بالكامل من هنا