Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/شرح الحديث الشريف/أسرار الاكتفاء بالله والتحذير من إنزال الحوائج بالخلق
سنن الترمذي - حديث 2326 - صحيحسلوك

أسرار الاكتفاء بالله والتحذير من إنزال الحوائج بالخلق

هذا شرح مستفاد من كلام الشيخ في سياق موضوعي موثق.
سنن الترمذي - حديث 2326 - صحيحالراوي: عبد الله بن مسعود
«مَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِاللَّهِ، فَيُوشِكُ اللَّهُ لَهُ بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ»

أسرار الاكتفاء بالله والتحذير من إنزال الحوائج بالخلق

سياق الشرح

جاء هذا المعنى النبوي في سياق تحذير الشيخ من وساوس العقل المادي الذي يدفع الإنسان لسؤال الخلق والتذلل لهم عند الحاجة، مؤسساً لمقام التوكل الخالص والتعلق بالله وحده دون سواه.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مصححاً لفهم قاصر تسلل إلى قلوب العوام، ومؤسساً لمعنى جليل من معاني التوكل والاكتفاء: يا ولدي، إن النفس البشرية بطبيعتها الضعيفة تميل إلى الركون للأسباب الظاهرة، فإذا ما ألمت بها ضائقة أو نزلت بها فاقة، التفتت يمنة ويسرة تبحث عن مخرج من عند الخلق.
وهنا تتجلى بلاغة المعنى النبوي الشريف الذي يضع أيدينا على الداء والدواء؛ فالنبي لم يقصر الفاقة على الفقر المادي فحسب، بل شملت كل حاجة قلبية أو جسدية.
لقد عبر الشيخ عن هذا المعنى النبوي بتصوير دقيق لحال النفس حين تضعف، محذراً من تلك اللحظة التي تُراودك فيها هواجس العقل المادي، وتوسوس لك نفسك باللجوء إلى فلانٍ من الناس، راجياً منه دراهم معدودة تقتات بها وتُنفق منها.
في هذه اللحظة الفاصلة بين التوحيد والشرك الخفي، يأتي دواء النبوة صارماً: «مَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ».
فالذي ينزل حاجته بالناس يُوكَل إليهم، ومن وُكل إلى ضعيفٍ عاجزٍ زاد فقره وضياعه.
ولذلك يوجهنا الشيخ أن نمسك بزمام القلوب ونردد عليها بيقين قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾؟ لتكون هذه الآية حاجزاً منيعاً يعصمك من أن تطلب غيره، أو تتعلق بسواه.
وكما أرشدنا نبينا الأكرم إلى أن من أنزل فاقته بالله يوشك الله أن يرزقه، يوضح الشيخ أن هذا الإنزال ليس مجرد كلمات تُردد باللسان، بل هو استسلام كلي يتناغم فيه الظاهر مع الباطن.
فيوجهنا قائلاً: فلتجعل جوارحك تنطق بلسان الخضوع قائلة: بلى، ولتفض أسرارك الباطنة بالتسليم قائلة: بلى يا رب، نعم، حسبي أنت وكفى، ولا غنى لي عنك.
وهذا هو عين ما قصده أئمة السلوك والتزكية كالإمام أبي حامد الغزالي (ت: 505 هـ، حجة الإسلام ومجدد القرن الخامس) في بيان أن التوكل محله القلب، وأن الاكتفاء بالله يورث الغنى الأكبر.
ولا يقف الشيخ عند حدود طلب الرزق، بل يغوص بك يا ولدي في بحر العبودية الحقيقية، مبيناً أن المحبة في جوهرها هي وفاء واكتفاء.
وكيف لا نكتفي به وقد تفضل علينا بفيض رحمته؟ وهنا يستدعي الشيخ قاعدة من قواعد السير إلى الله صاغها العارفون من سلف الأمة: "جُدْ بما منك إلينا، لنجود بما منا عليك".
فمتى أنزلت فاقتك بصدق، ووفيت بعهد العبودية، تجلى عليك الخالق بكفايته وعطائه، وأغناك عن ذل السؤال، وطهر قلبك من أوهام الحسد وتضخيم الذات، فمن انشغل برؤية الخالق لم يلتفت إلى مكر المخلوقين.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن سؤال الخلق والتعلق بهم بابٌ من أبواب الفقر وشتات القلب، وأن الغنى الحقيقي يكمن في إنزال الحوائج بباب الله، وتحقيق مقام الاكتفاء والوفاء الذي يثمر رزقاً عاجلاً ويقيناً لا يتزعزع.

ويمكنك مشاهدة الفيديو بالكامل من هنا

أسرار الاكتفاء بالله والتحذير من إنزال الحوائج بالخلق | شرح الحديث الشريف | الشيخ جابر بغدادي