Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/شرح الحديث الشريف/أسرار الحروف وضرورة التلقي: من ظواهر التلاوة إلى بواطن التزكية
سنن الترمذي - حديث 2910 - صحيحفضل التلاوة وفقه التلقي

أسرار الحروف وضرورة التلقي: من ظواهر التلاوة إلى بواطن التزكية

هذا شرح مستفاد من كلام الشيخ في سياق موضوعي موثق.
سنن الترمذي - حديث 2910 - صحيحالراوي: عبد الله بن مسعود
«مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ»

أسرار الحروف وضرورة التلقي: من ظواهر التلاوة إلى بواطن التزكية

سياق الشرح

يستشهد الشيخ بهذا الحديث ليبرز الفارق الدقيق بين نطق الحروف المقطعة ورسمها، مؤسساً من خلاله لقاعدة روحانية كبرى حول ضرورة التلقي عن شيخ مربٍّ لضبط ظاهر التلاوة وباطن القلب.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث كاشفاً عن الخريطة الروحية للتلقي ومؤسساً لمعنى جليل يربط بين نطق الجوارح وأدب القلوب: هل سألت نفسك يوماً يا ولدي عن السر المكنون في هذا التفريق النبوي البديع بين رسم المصحف ونطقه؟ المتأمل في كتاب الله يجد أن المولى سبحانه وتعالى افتتح سورة الشرح بقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، وافتتح سورة البقرة بقوله: ﴿الم﴾. الرسم في المصحف الشريف واحد، والأحرف كُتبت متصلة في الموضعين، فما الذي جعلنا نصل الأولى ونقرأها كلمة واحدة، ونقطع الثانية بتسكين حروفها قائلين: "ألف، لام، ميم"؟ إن الإجابة اليقينية تكمن في جوهر هذا الحديث الشريف الذي أخرجه الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي (المتوفى سنة 279 هـ، إمام المحدثين وصاحب السنن) في جامعه، عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. فقد بين النبي فيه أن قراءة القرآن لا تكون بالرأي أو بالاجتهاد الشخصي المستقل، بل هي مبنية على التلقي والمشافهة. ومن معجزات البلاغة النبوية أن النبي الأمي نطق بالحروف مسماة ولم ينطقها بوصفها كما هو حال الأمي؛ ليثبت أن الأمر توقيف وتنزيل من حكيم حميد. وهنا ينتقل بنا الشيخ ببراعة من ظاهر التلاوة إلى باطن السلوك، ومن حركة اللسان إلى ترقية الجنان. يقول بلسان الحال والمقال: يا ولدي، إذا كنت عاجزاً عن قراءة أحرف مرسومة أمامك في المصحف دون أستاذ يعلمك مواضع الوصل والقطع، فكيف تتجرأ على قراءة خفايا نفسك المليئة بالآفات دون مربٍّ بصير؟ إن من ظن أنه يستغني عن الأستاذ في طريق الله فقد ضل، ولهذا صدق العارفون من أمثال سيدي الإمام تاج الدين بن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة 709 هـ، قطب العارفين وإمام الطريقة الشاذلية) وغيره من أئمة الهدى حين أشاروا إلى أهمية الصحبة، فأنشد أهل السلوك: ""والزم باب الأستاذ تفز، وتكون بذلك خِلَّ نجي، واخرج من كل هوى أبداً، ودع التلفيق مع الهرج"". يا ولدي، أنت حقاً لا تحتاج إلى شيخ لتتلقى نعم الله عليك، فالله هو الوهاب والرزاق، ومدده يصل إليك بفضله وكرمه. أنت لا تحتاج شيخاً عند وصول مدد الله إليك، لكنك تفتقر أشد الافتقار إلى طبيب للروح يرقيك في مراتب الأدب مع عطايا الله. إن النعمة إذا نزلت قد تُنسي العبد مُسديها إن لم يكن متيقظاً، فالشيخ المربي يعلمك كيف تشكرها، وكيف لا تغتر بها، لترقى بجناح الشكر والافتقار إلى مواطن الزيادة، وتصل إلى كمال العبودية الخالصة لوجه الله الكريم. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن الاتباع في ظاهر التلاوة وتلقي الحروف من صدور الرجال، هو إشارة ربانية صريحة إلى وجوب لزوم الشيخ المربي لتلقي أنوار القلوب، ليرتقي السالك من مجرد رؤية العطاء إلى كمال الأدب والشكر لرب الأرض والسماء.

ويمكنك مشاهدة الفيديو بالكامل من هنا

أسرار الحروف وضرورة التلقي: من ظواهر التلاوة إلى بواطن التزكية | شرح الحديث الشريف | الشيخ جابر بغدادي