Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/شرح الحديث الشريف/أسرار العطاء الرباني وطلاقة القدرة في فقه التوكل
سنن الترمذي - حديث 2344 - حسن صحيححقيقة التوكل على الله واليقين في الرزق

أسرار العطاء الرباني وطلاقة القدرة في فقه التوكل

هذا شرح مستفاد من كلام الشيخ في سياق موضوعي موثق.
سنن الترمذي - حديث 2344 - حسن صحيحالراوي: عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)
«لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»

أسرار العطاء الرباني وطلاقة القدرة في فقه التوكل

سياق الشرح

جاء استشهاد الشيخ بمعاني هذا الحديث في سياق المواساة الروحانية وبث اليقين في القلوب المنهكة من هموم الرزق والحياة، محذراً من الركون إلى الأسباب المادية الخانقة ومبيناً طلاقة القدرة الإلهية في تبديل الأحوال.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مؤسساً لمعنى جليل ومصححاً لفهم خاطئ حول حقيقة الرزق والاعتماد على الأسباب: تأمل يا ولدي كيف يربط النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم بين صدق التوكل ورزق الطير، فالطير لا تملك أسباباً مادية معقدة كالبشر، ولا خزائن تدخر فيها قوتها، بل تملك قلباً متوكلاً وجناحاً يسعى، وهذا المعنى النبوي ينسجم تماماً مع ما قرره الحق تبارك وتعالى في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ﴾. فانظر بقلب البصير كيف قال: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾ ولم يقل: ""تؤتي من الملك""، ليدلك على تمام الفيض وعظيم العطاء الإلهي الذي لا ينقص. فسبحانه من إله عظيم؛ قد تبيت ليلك عاصياً غافلاً، فيتداركك بلطفه الخفي، ويوقظك في الصباح ولياً من أوليائه المجتبين، وليس ذلك من شأنك أو من تدبيرك، بل هو محض كرمه. وقد ترقد يا ولدي مهموماً جائعاً، كحال الطير الخماص في بكورها، لا تدري من أين يأتيك الرزق، ولا كيف تُحل عقدة كروبك، فيحلها المولى بتدابير لطفية وأسرار علوية: ""يدبر أمري ولا علم لي، وهو حسبي ونعم الوكيل"". فلو لم يكن التوكل سراً من أسرار الإيتاء، لما نالت الطير رزقها بلا حول منها ولا قوة، فاللغة النبوية دقيقة حين أشارت إلى حركة الطير ""تغدو وتروح"" لتؤكد أن اليقين بالقلب لا يعطل سعي الجوارح، وأن الجوارح تسعى والقلب معلق برب السماء. ومن هذا اليقين في الرزق، ينتقل بنا الشيخ بانسيابية بديعة ليدلنا على مصدر هذا العطاء، داعياً إيانا إلى دقة التأمل في اللفظ القرآني: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾؛ إذ لم يقل ""المَلِك"" فحسب، لتعلم أن هذا الكوكب بأسره، وهذا الكون الفسيح، إنما هو ملكية خالصة لله عز وجل. فكيف يتصرف فيه جل وعلا؟ استمع إلى قوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ﴾، فقد عبر بالإيتاء ولم يقل ""تُعطي""؛ لأن الإيتاء في لغة القرآن هو عطاء رباني بغير حساب، عطاء يتجاوز عالم الأسباب المادية التي تأسركم وتمرض قلوبكم، فهو القائل: ﴿وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾. فإذا كان الخير بيده وحده، فمن ذا الذي يقدر أن يعطل خيراً ساقه الله إليك؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يسلبه أو يحبسه عنده؟ أيا قوم، أنقرأ القرآن حق تلاوته أم هجرناه؟ أنذكر ربنا في الخلوات والجلوات أم نسيناه؟ ثم يغوص الشيخ أعمق في بحار المعاني، مبيناً أن السر في قوله ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ لا يتوقف عند مجرد العطاء المادي، فقد تملك النعمة ولكنك تعجز عن الانتفاع بها إن سُلبت التوفيق، ولذا أردفها بقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ومن تجليات ملكات هذه القدرة الإلهية أن قال: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾، فتلك الظلمة الحالكة التي طالما استولت على الناس وأرعبتهم، حتى إن المرء ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، تتلاشى بقدرته وتتبدد، فيولج الليل في النهار بسر من أسرار الحياة، ﴿وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. وكما يخرج نور الفجر من رحم الظلام، يخرج رزقك وفرجك من رحم الضيق والعدم. فبربك أخبرني، بعد أن أيقنت بطلاقة قدرته، من يقدر أن يعطل رزقاً ساقه الله إليك؟ ومن يوقف هذا المفعول الرباني؟ عودوا يا ولدي إلى معرفة ربكم حق المعرفة، واستوثقوا يقيناً أن لهذا الكون ملكاً لا يُغلب، متى توكلتم عليه، لا تستطيع أن تحجب عنكم حتى همة الملائكة ما قدره الله ليأتيكم، فضلاً عن أن تعطله الشياطين أو تدابير البشر. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن التوكل الحق ليس دعوة للكسل، بل هو يقين قلبي راسخ بطلاقة القدرة الإلهية التي ترزق من تشاء بغير حساب، وأن من فوض أمره لمالك الملك أخرجه من ظلمات الهم إلى أنوار الغنى والعطاء.

ويمكنك مشاهدة الفيديو بالكامل من هنا

أسرار العطاء الرباني وطلاقة القدرة في فقه التوكل | شرح الحديث الشريف | الشيخ جابر بغدادي