إشراقةُ الذَّاتِ المـُحمَّديَّةِ: سِرُّ جَريانِ الشَّمْسِ في مِرآةِ الوَجْهِ الأَنْوَرِ
«مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ كَأَنَّمَا الشَّمْسُ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِي مَشْيِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ كَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُطْوَى لَهُ، إِنَّا لَنَجْهَدُ أَنْفُسَنَا وَإِنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ»
إشراقةُ الذَّاتِ المـُحمَّديَّةِ: سِرُّ جَريانِ الشَّمْسِ في مِرآةِ الوَجْهِ الأَنْوَرِ
سياق الشرح
ساقه الشَّيخُ في مَعرِضِ التَّبكيتِ والتَّأديبِ لِمَن يدَّعي بجمودٍ مساواتَهُ بالنَّبيِّ ﷺ في البشريَّةِ، كاشفاً عنِ الفارقِ العظيمِ بينَ طينةٍ أثقلتها الذُّنوبُ وذاتٍ تجلَّتْ فيها الأنوارُ.
نص الشرح
قالَ الشَّيخُ جابر بغدادي في شرحِ الحديثِ، مُؤسِّساً لِمعنىً جليلٍ في مَقامِ التَّأدُّبِ معَ الجَنابِ المـُحمَّديِّ: إنَّ المتأمِّلَ في هذا الوصفِ البديعِ الذي نطقَ بهِ سيدي الإمامُ أبو هريرةَ (المتوفى سنة ٥٩ هـ، أحفظُ الصَّحابةِ ومُقدَّمُ رُواةِ الأثر)، يدركُ أنَّ الصَّحابةَ الكرامَ لم يكونوا ينظرونَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ بعينِ البشريَّةِ التُّرابيَّةِ الجافية، بل كانوا يطالعونَ فيهِ "مَجلى التَّجلِّي الإلهيِّ الأتمّ".
تأمَّلْ يا ولدي دقَّةَ اللَّفظِ النَّبويِّ والوصفِ الحسِّيِّ: «كَأَنَّمَا الشَّمْسُ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ»؛ فلم يقلِ الرَّاوي "كأنَّ وجهَهُ كالشَّمسِ" في الجُمودِ والإشراقِ الثَّابت، بل استخدمَ لفظَ "الجَريانِ"، والجَريانُ يقتضي الحَركةَ، والحياةَ، والتَّجدُّدَ، والفيضانَ المـُستمرَّ! ولا عجبَ في ذلك؛ فإنَّ الشَّمسَ التي نراها في كَبِدِ السَّماءِ إنَّما تستمدُّ نورَها من عالمِ الأسباب، أمَّا شمسُ وجهِهِ ﷺ فهيَ إشراقةٌ نابعةٌ منِ اتِّصالِ سريرتِهِ بالْوحيِ، ومُشاهدتِهِ لِأنوارِ الحقِّ جَلَّ جلالُه.وإلَّا فكيفَ طُويتْ لخطواتِهِ الأرضُ طَيّاً إنْ لم تكنْ حركتُهُ مَوصولةً بمددِ المـُكوِّنِ سبحانَه؟ وإنَّما ساقَ الشَّيخُ هذا الحديثَ لِيضعَكَ يا ولدي أمامَ "مِرآةِ التَّزكيةِ"؛ فكيفَ تجرؤُ نفسٌ مَريضةٌ بالكِبرِ أن تقولَ "مثلك مثله"؟ ويحَكَ! انظرْ في مِرآتِكَ لترى ظُلْمَةَ الذُّنوبِ وغفلةَ القلبِ، ثمَّ ارفعْ بصرَكَ لِتُطالعَ هذا الوجهَ الذي جعلَ أنوارَهُ تسري في الوجودِ سَريانَ الرُّوحِ في الجَسَد.
ويُؤكِّدُ هذا المعنى الجليَّ ما سيأتي في الحديثِ التَّالي من وصفِ هندِ بنِ أبي هالةَ؛ حيثُ تتكاملُ مَشاهدُ الجَمالِ المـُحمَّديِّ بينَ شمسِ النَّهارِ وبدرِ اللَّيلِ، لِيَعلمَ السَّالكُ أنَّ هذا النَّبيَّ الأكرمَ هوَ "مَجمعُ الأنوارِ"، وأنَّ مَحبَّتَهُ وتوقيرَهُ هُما مِفتاحُ النَّجاةِ ومعراجُ القلوبِ إلى مَقامِ الإحسان.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أنَّ الجَمالَ الحسِّيَّ لِوجهِ رسولِ اللهِ ﷺ هوَ في حقيقتِهِ فيضٌ منِ اتِّصالِهِ بربِّهِ، وأنَّ مطالعةَ هذا الجَمالِ تُورثُ في قلبِ المـُريدِ انكساراً للنَّفسِ، وتأدُّباً يمحو منْ سَريرتِهِ أوهامَ الكِبرِ وادِّعاءَ المـُساواة.
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخْمًا مُفَخَّمًا، يَتَلَأَلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، أَطْوَلَ مِنَ الْمَرْبُوعِ، وَأَقْصَرَ مِنَ الْمُشَذَّبِ، عَظِيمَ الْهَامَةِ، رَجِلَ الشَّعَرِ، إِنِ انْفَرَقَتْ عَقِيقَتُهُ فَرَقَهَا، وَإِلَّا فَلَا يُجَاوِزُ شَعَرُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ إِذَا هُوَ وَفَّرَهُ، أَزْهَرَ اللَّوْنِ، وَاسِعَ الْجَبِينِ، أَزَجَّ الْحَوَاجِبِ سَوَابِغَ فِي غَيْرِ قَرَنٍ، بَيْنَهُمَا عِرْقٌ يُدِرُّهُ الْغَضَبُ، أَقْنَى الْعِرْنِينِ، لَهُ نُورٌ يَعْلُوهُ، يَحْسَبُهُ مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْهُ أَشَمَّ، كَثَّ اللِّحْيَةِ، سَهْلَ الْخَدَّيْنِ، ضَلِيعَ الْفَمِ، مُفَلَّجَ الْأَسْنَانِ، دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ، كَأَنَّ عُنُقَهُ جِيدُ دُمْيَةٍ فِي صَفَاءِ الْفِضَّةِ...»
تَلأْلُؤُ البَدْرِ المـُحَمَّدِيِّ: جَلالُ الفَخَامَةِ المـَكْسُوَّةِ بِأنْوارِ القُرْبِ
سياق الشرح
ذكرهُ الشَّيخُ لِيُعمِّقَ في وجدانِ المـُريدِ مَهابةَ الصُّورةِ المـُحمَّديَّةِ، مُتدرِّجاً بهِ منْ إشراقِ الشَّمسِ إلى هدوءِ البدرِ، لِيقطعَ ألسنةَ التَّطاولِ التي تُجرِّدُ النَّبيَّ ﷺ منْ كَمالاتِهِ المـَوهوبة.
نص الشرح
قالَ الشَّيخُ جابر بغدادي في شرحِ الحديثِ، مُبرِزاً مَعنىً في غايةِ النَّفاسةِ حولَ أسرارِ الشَّمائلِ المـُحمَّديَّة: إنَّ هذا النَّصَّ المـُباركِ الذي رواهُ سيدي هندُ بنُ أبي هالةَ التَّميميُّ (المتوفى سنة ٣٦ هـ، ربيبُ بيتِ النُّبوَّةِ ووصَّافُ الحِلْية)، يُمثِّلُ "دستورَ الْهَيبةِ" في قلبِ كُلِّ مُحبٍّ؛ فقد جمعَ اللهُ لِحبيبِهِ ﷺ بينَ "جَلالِ الفَخَامَةِ" و"جَمالِ الأُنْسِ".
وهذا يُؤكِّدُ ما أصَّلَهُ الشَّيخُ سابقاً في شرحِ الحديثِ الأوَّلِ لِأبي هريرة؛ فإذا كانتْ "الشَّمسُ" في الحديثِ السَّابقِ تُمثِّلُ جَلالَ النُّبوَّةِ وسطوعَها الذي يَخطَفُ الأبصارَ، فإنَّ "القَمَرَ ليلةَ البدرِ" هنا يُمثِّلُ كَمالَ الرَّحمةِ، واللُّطفِ، والتَّجلِّي الباردِ الذي تطمئنُّ إليهِ النُّفوسُ وتسكنُ في رِحَابِهِ الأرواح.
انظرْ يا ولدي إلى قولِهِ: «فَخْمًا مُفَخَّمًا»؛ فالفَخامةُ هنا ليستْ فَخامةَ تجبُّرٍ أو مُلْكٍ دُنيويٍّ، بل هيَ "مَهابةُ الاصطفاءِ"؛ فكانَ مَن رآهُ بَديهةً هابَهُ، ومَن خالطَهُ مَعرِفةً أحبَّه.وكيفَ لا يتلألأُ وجهُهُ كنورِ البدرِ، وهوَ المـِرآةُ الصَّافيةُ التي انعكستْ عليها أنوارُ "الْحجابِ الأعظمِ"؟
ويُحذِّرُكَ الشَّيخُ يا ولدي منْ مَزلقٍ خطيرٍ يقعُ فيهِ المـَحجوبون؛ حينَ يقرؤونَ هذهِ الأوصافَ الحسِّيَّةَ بـ "عينِ التَّشريحِ المـَادِّيِّ" لا بـ "عينِ التَّعظيمِ الرُّوحيِّ"؛ فَيظنُّونَ أنَّ وصفَ الجَبينِ والعُنقِ هوَ مُجرَّدُ سَردٍ لِخِلْقةٍ بَشريَّةٍ مُعتادة! والْحقُّ أنَّ كُلَّ عُضوٍ في جَسَدِهِ الشَّريفِ كانَ يحملُ سِرّاً من أسرارِ العُبوديَّةِ؛ وإلَّا فكيفَ يُشبِّهُ الرَّاوي عُنقَهُ بـ "جِيدُ دُمْيَةٍ فِي صَفَاءِ الْفِضَّةِ" إنْ لم يكنْ هذا العُنقُ هوَ المـَجلى الأطهرَ للخضوعِ المطلقِ لِأمرِ الله؟ فإذا تحقَّقَ المـُريدُ بهذا الفَهمِ، ذابَ كِبرُهُ، واستحى أن يَعصيَ اللهَ بجوارحَ يَطمعُ أن تنظرَ يوماً إلى هذا الوجهِ الأبلجِ المـُنير.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أنَّ أوصافَ الجَسَدِ المـُحمَّديِّ هيَ قوالبُ حَسَنةٌ لِمعانٍ غيبيَّةٍ عُظمى، وأنَّ استحضارَ المـُريدِ لِهذهِ الطَّلعةِ البَهيَّةِ يُورثُهُ في سُلوكِهِ مَقامَ "الْحياءِ منَ اللهِ"، ويَقي قلبَهُ منْ داءِ التَّجرُّؤِ على مَقامِ النُّبوَّة.
