Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/شرح الحديث الشريف/النجاة من محنة الزمان وخسران الحرمان في شهر الغفران
سنن الترمذي - حديث 3545 - صحيحتزكية

النجاة من محنة الزمان وخسران الحرمان في شهر الغفران

هذا شرح مستفاد من كلام الشيخ في سياق موضوعي موثق.
صحيح مسلم - حديث 656 - صحيحالراوي: عثمان بن عفان
«مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ»

سر قيام الليل وكماله في شهود فرائض العشاء والفجر

سياق الشرح

ساق الشيخ هذا الحديث مؤسساً لقاعدة محكمة في فقه الأولويات، ومصححاً لفهم من يغترون بالنوافل والتراويح مع تضييعهم لأساس الفرائض في صلاتي العشاء والفجر.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مؤسساً لمعنى جليل في فقه السلوك وأولويات الوصول إلى الله: إن السالك إذا أراد أن يضع لنفسه برنامج عمل يتحقق به جوهر الصوم، فلا بد أن يبني نوافله على أساس متين من الفرائض. يا ولدي، قد يظن المغتر بظواهر العبادات أن الاجتهاد في صلاة التراويح يكفي لنيل كمالات قيام رمضان، ولكن الشيخ يوجهنا إلى الحقيقة المحمدية الساطعة؛ وهي أن من أراد المحافظة الكاملة على الثلاثين ليلة من التراويح، فشرطها الذي لا ينفك عنها هو المحافظة على الثلاثين صلاة فجر والثلاثين صلاة عشاء في جماعة. وهنا يتجلى العطاء النبوي في هذا الحديث، إذ بيّن المصطفى أن مجرد شهود العشاء في جماعة يهبك ثواب قيام نصف الليل، فإذا ضممت إليها الفجر في جماعة فقد حُزت فضل الليل كله. وكما يقرر سيدي الإمام تاج الدين بن عطاء الله السكندري (ت: ٧٠٩ هـ، قطب العارفين وصاحب الحكم) أن تضييع الأصول يحرم من الوصول، فإن أقل درجات القيام هي الحرص على هذه الفرائض. ولا ينتقل الشيخ بنا انتقالاً عشوائياً، بل ينسج المعنى بحكمة؛ فبعد أن أرسى قاعدة الفريضة، بيّن دور النافلة. فما هي صلاة التراويح إذن؟ إنها كما وصفها الشيخ "ترميم لصيام النهار"، ورقعة تستر ما تمزق من ثوب الصيام بسبب زلات اللسان واللحظات الغافلة. فشرط الصوم هو الصون، والتراويح هي الضمانة التي ترقع الصيام وتصونه من الهتك. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن كمالات النوافل وقيام رمضان لا تصح ولا تُرقع بها ثقوب الصيام إلا إذا أُسست على إحكام الفرائض وشهود صلاتي العشاء والفجر، فبهما ينال السالك التمام، وبالتراويح يتحقق له جبر النقصان وصيانة الجوارح.

سنن الترمذي - حديث 682 - صحيحالراوي: أبو هريرة
«وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ»

تصفية الأسماع القالبية والقلبية لتلقي نداءات الغيب

سياق الشرح

أورد الشيخ هذا الحديث في سياق تنبيه الغافلين إلى ضرورة تطهير الجوارح من لغو الكلام والغيبة، لكي تتأهل القلوب والأسماع لتلقي النفحات ونداءات السماء في رمضان.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث موقظاً لطائف الأرواح ومحذراً من غفلة الجوارح: إن السماء تفتح أبوابها في رمضان، وهناك نداءات غيبية علوية تتنزل بالرحمات، ولكن الشيخ يطرح التساؤل الموقظ: "ونادى منادي آخر كيف أسمع؟". يا ولدي، إن الأذن التي أثقلتها ذنوب الدنيا لا تقوى على التقاط ذبذبات الغيب. فالنبي يخبرنا أن هناك منادياً ينادي، فما بالنا لا نسمعه؟ يوضح الشيخ الدواء الناجع قائلاً: "فضي ودنك من وقر الغيبة والنميمة"، فكما أصل سيدي الإمام أبو حامد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ، حجة الإسلام وطبيب القلوب) أن القلب كالمرآة، والمعاصي كصدأ يغشاها، فإن الغيبة وقرٌ يسد منافذ الروح. ولتسمع هذا النداء، يوجهنا الشيخ إلى تصفية نوعين من الآذان: "الآذان القالبية" وهي حواس الجسد بصونها عن الحرام، و"الآذان القلبية" وهي سريرة الروح بتفريغها مما سوى الله. ولا يتوقف الشيخ عند التخلية (ترك الذنوب)، بل ينتقل بانسيابية مبهرة إلى التحلية (فعل الطاعات)، فيربط بين صفاء السمع وبين البذل، موجهاً السالكين: "عشان تسمع اليومين الجايين دول اعملهم صدقة". ثم يفسر المعنى الباطن للنداء بقوله: "ما يقال أقبل معناه أنا عايزك تعال". وهذا يؤكد ما أصله الشيخ سابقاً من أن "فك الكف" بالعطاء، و"كف الفك" عن اللغو، هما مفتاح الدخول إلى هذه الحضرة التي نودي منها. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن نداءات السماء بالخير مبذولةٌ في كل ليلة، ولكنها لا تطرق إلا الأسماع التي تطهرت من وقر الغيبة، والقلوب التي تزكت ببذل الصدقات، فبقدر التصفية يكون السماع، وبقدر العطاء يكون التجلي والقبول.

سنن الترمذي - حديث 3545 - صحيحالراوي: أبو هريرة
«خَابَ وَخَسِرَ مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ»

النجاة من محنة الزمان وخسران الحرمان في شهر الغفران

سياق الشرح

أورد الشيخ معنى هذا الحديث الشريف ترهيباً للقلوب من تضييع منحة الشهر الفضيل، ومحذراً من الانعكاسات الخطيرة للغفلة التي تحول الزمان إلى ضيق ونكد على صاحبه.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مستنهضاً الهمم وقارعاً أبواب القلوب المحجوبة: "كفانا غفلة ليه؟ لأنه قال: خاب وخسر من أدرك رمضان ولم يغفر له". يا ولدي، إن هذا الحديث يمثل جرس إنذار نبوي شديد اللهجة، أورده الشيخ (وهو بمعنى الحديث الصحيح: رغم أنف رجل...) ليوقظ الأرواح من سباتها المظلم. فالفرصة السانحة في هذا الشهر هي "منحة" ربانية خالصة، تتجلى فيها أسباب المغفرة والعتق من النيران. ولكن، ماذا لو أضاع العبد هذه الأيام الثلاثين سدى؟ ينتقل بنا الشيخ من الشرح اللفظي للحديث إلى كشف الأثر الباطني والظاهري لهذا الخسران فيقول: "تحول الزمان إلى محنة نكدة". فالخسران المذكور في الحديث ليس مجرد فوات أجر أخروي فحسب، بل هو شؤم يلاحق العبد في دنياه. وكما بين الإمام ابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١ هـ، طبيب القلوب وعالم السلوك) أن للمعصية ظلمة في الوجه وضيقاً في الصدر، فإن الشيخ يؤكد ذلك بقوله: "بعديها ما نشتكيش من الخسران وضيق الصدر وضيق الرزق". ولكي ننجو من هذا الوعيد وهذا الضنك، يلحم الشيخ كلامه بروشتة العلاج العملي؛ فيأمر بمصاحبة القرآن، والأنس بالرحمن، والتضرع في الأسحار. ويؤكد هذا المعنى الجلي ما وجه به الشيخ من ضرورة أن يكرم العبد الضعفاء ويستر المحتاجين، فإن العبد إذا جاد جاد الله عليه، وإذا أقبل قُبل، ونجا من شؤم هذا الخسران المبين. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن تضييع نفحات رمضان ليس مجرد فوات للثواب، بل هو سبب مباشر لتحول الزمان إلى محنة، ونزول ضيق الصدر ومحق الرزق، وأن النجاة من هذا الوعيد تكمن في الجود، ومصاحبة القرآن، والفرار إلى الله.

ويمكنك مشاهدة الفيديو بالكامل من هنا

النجاة من محنة الزمان وخسران الحرمان في شهر الغفران | شرح الحديث الشريف | الشيخ جابر بغدادي