عصمة النور الأول: التجلي الأزلي للنبوة المحمدية قبل طينة آدم
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى وَجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ؟ قَالَ: «وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ». (وفي رواية ميسرة الفجر: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى كُنْتَ نَبِيًّا؟ قَالَ: «وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ»).
عصمة النور الأول: التجلي الأزلي للنبوة المحمدية قبل طينة آدم
سياق الشرح
جاء استنباط الشيخ لهذا المعنى في سياق تنزيه النبي ﷺ عن طروء الغواية أو الجاهلية عليه في أي مرحلة من مراحل وجوده، مثبتاً أن كماله اللدني كمالٌ ذاتيٌّ مخلوقٌ معه منذ الأزل.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث، مؤسساً لأصلٍ من أصول الاعتقاد الصافي الذي يقطع دابر التشكيك في جناب المصطفى ﷺ: أمعنِ النظر يا ولدي في هذا السؤال المهيب الذي طرحه الصحابة الكرام: "متى وجبت لك النبوة؟"، وانظر إلى الإجابة المحمدية الكاشفة: «وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ».
فإنك إذا أدركتَ هذا السبق النوري، زال عن عقلك العجبُ حين تسمع قوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾؛ فالضلالُ المنفيُّ عنه هنا ليس منفياً في عالم الشهادة فحسب، بل هو نفيٌ يسري في أطوار الوجود كلها، في الخلق وما قبل الخلق.
ويشرح الشيخ هذا المعنى مبيناً أن الحقيقة المحمدية كانت قائمةً مشهودةً في حضرة الغيب قبل أن تُنفخ الروح في طينة سيدنا آدم عليه السلام.
ولهذا يقرر سيدي الإمام تقي الدين السبكي (ت: 756 هـ، شيخ الإسلام وإمام المحدثين والفقهاء)، في كتابه الفذ "التعظيم والمنة"، أن نبوته ﷺ في الأزل كانت نبوةً حقيقيةً ذاتَ أحكامٍ وآثار، وليست مجردَ "علمٍ إلهيٍّ بوقوعها في المستقبل" كما يزعم أهل الجفاء؛ إذ لو كان المرادُ مجردَ العلم، لَما كان للنبي ﷺ خصوصيةٌ على سائر البشر، فكلُّ مخلوقٍ معلومٌ لله قبل خلقه! ولكنَّ مرادَ الحديث: إثباتُ "التعين الروحيِّ الأول"، حيث خلقه اللهُ نوراً، فكان ﷺ أولَ العابدين وأولَ الساجدين.
ومن هنا يا ولدي، تدرك الربط البديع الذي ساقه الشيخ بين هذا الحديث وبين قوله تعالى في سورة الضحى: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾؛ حيث قدّم "الضحى" (النور) على "الليل" (الظلام)، لأن سيدنا رسول الله ﷺ نورٌ محضٌ لم تسبقه ظلمةٌ قط.بينما لما تحدث القرآن عن الصدّيق، سيدنا أبو بكر الصديق (ت: 13 هـ، الخليفة الراشد الأول وأفضل الأمة بعد نبيها)، في سورة الليل، قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾، فَقَدَّمَ الليلَ على النهار؛ لأن أبا بكرٍ سبقتْ إسلامَه أنوارَ هدايةٍ طرأت على ظلمة الجاهلية.
أما المصطفى ﷺ فهو شمسُ الأزل التي وُلدت مكمَّلة، ويؤكد هذا المعنى الجليَّ ما سيأتي في الحديث التالي من تجلي مراتب أسمائه الشريفة.
فإياك يا ولدي أن تلتفت إلى تشغيب بعض المتنطعين الذين يحاولون تضعيف هذه الأحاديث أو تمييع دلالتها؛ فإن أئمة الحفاظ كسيدي الإمام جلال الدين السيوطي (ت: 911 هـ، جبل الحفظ ومجدد القرن التاسع)، قد أثبتوا تواتر معناها.
واعلم أن مَن تنزّهتْ روحه عن الظلمة قبل خلق طينة البشر، فهو في البعثة أبعدُ ما يكون عن طروء الهوى أو الغواية؛ فصار ﷺ حجةَ الله البالغة، وصار شرعُه هو الميزانَ القسط الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: إثبات السبق الروحي والنوري لسيدنا رسول الله ﷺ في خطة الإيجاد، وأن نبوته أصلٌ لجميع النبوات، وعصمته الذاتية ممتدةٌ من الأزل إلى الأبد.
