فقه الورع وكف الجوارح لبلوغ مقام عبادة الإخلاص
«اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ»
فقه الورع وكف الجوارح لبلوغ مقام عبادة الإخلاص
سياق الشرح
أورد الشيخ هذا الحديث في سياق الإجابة على تساؤل السالكين حول كيفية المحافظة على معية الله ورسوله، واضعاً قاعدة سلوكية صارمة تتمثل في الكف عن المحارم لتزكية الحواس.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مؤسساً لقاعدة التخلية قبل التحلية في طريق السير إلى الله: يا ولدي، إن سألتني كيف يفضل الإنسان دائماً في معية الله ولا ينقطع مدده؟ فالجواب يكمن في هذا الهدي النبوي العظيم الذي أخرجه الإمام أبو عيسى الترمذي (المتوفى سنة 279 هـ، الحافظ البارع وعلم المحدثين) في سننه: «اتق المحارم تكن أعبد الناس». ويؤكد هذا المعنى الجلي ما أصله الشيخ سابقاً في شرح الحديث الأول، من أن بلوغ "رتبة المعية" لا يتم بمجرد طول العمر، بل لابد فيه من حفظ الجوارح وعدم الاجتراء على حرمات الله. إن طريق الوصول يا ولدي يبدأ بالورع، والورع هو الحاجز المنيع الذي يحفظ نور العبادة في القلب. يضرب لنا الشيخ مثلاً بليغاً يوقظ القلوب من غفلتها، فيقول: إذا كانت الصلاة الظاهرة في البيت الحرام تُضاعف بمائة ألف صلاة في غيره من المساجد، فإن هناك صلاة باطنة من نوع آخر تفوق ذلك؛ إنها صلاة العبد الذي حرَّم على نفسه الالتفات إلى "السِّوَى" (أي ما سوى الله). فمن منع جوارحه عن مساخط الله، وغض بصره، وحفظ لسانه، ترقى في مقامات العبودية حتى تنقلب أنفاسه العادية كلها إلى تسابيح متصلة. تغدو حياة هذا العبد الورع التجسيد الحقيقي لـ "عبادة الإخلاص"، وتصبح جميع حواسه، ظاهراً وباطناً، مع الله وبالله. فلا يرى إلا فضل الله، ولا ينطق إلا بذكر الله، وهذا هو السر الأعظم في أن ترك المحارم يورث العبد لقب "أعبد الناس"؛ لأن ترك الهوى أشق على النفس الأمارة من أداء النوافل، وفيه يكمن صدق التوجه إلى الملك العلام. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن الطريق إلى أرفع مقامات الولاية والعبودية لا يبدأ بكثرة النوافل، بل بكف الجوارح عن الحرمات والالتفات لغير الله، مما يحول حياة السالك كلها إلى أنفاس مسبحة وعبادة خالصة.
