ميزانُ الكفافِ وسكينةُ التفويضِ | إعدامُ القلقِ النفسيِّ وذبحُ سكينِ التفكيرِ في الغد
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا».
ميزانُ الكفافِ وسكينةُ التفويضِ | إعدامُ القلقِ النفسيِّ وذبحُ سكينِ التفكيرِ في الغد
سياق الشرح
ساقهُ الدكتور جابر بغدادي في سياقِ تحريرِ ميزانِ الغنى والفقر، ليواسيَ القلوبَ المنهكةَ من همِّ التدبيرِ، وينزعَ منها هاجسَ الخوفِ من المستقبلِ في مطلعِ العامِ الجديد.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث، مصححاً لمفاهيمِ الغنى والفقرِ ومقدماً الترياقَ النبويَّ لداءِ القلقِ المعاصر: إنَّ هذا الحديثَ الشريفَ يا ولدي هو الدستورُ النبويُّ الأعظمُ في 'الطبِّ النفسيِّ الروحي'؛ يضعُ بهِ المصطفى ﷺ ميزاناً ينسفُ أوهامَ البشرِ عن السعادة.
وتأمَّلْ معي يا ولدي في التدرجِ البديعِ لألفاظِ النبوة، وكيفَ ننتقلُ في رياضها من زهرةٍ إلى زهرةٍ في ترابطٍ محكمٍ لا انفصامَ فيه.
فبدأَ ﷺ بـ (الأمنِ في السرب)، ثم ثنَّى بـ (المعافاةِ في البدن).
وهنا يقفُ شيخنا وقفةَ العارفِ المحققِ ليقولَ لك: الحمدُ للهِ، لا تحتاجُ إلى جهازِ سكرٍ ولا ضغط، وحتى لو ابتُليتَ بشيءٍ من ذلك، فأنتَ برغمِهِ معافىً في بدنك؛ لأنَّ خلايا جسدِكَ لا تُخطئُ في تسبيحِ خالقها! واستدلَّ معي يا ولدي بلغةِ العربِ وأسرارِ الوحي؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يقلْ: 'صحيحاً في بدنه'، ولم يقلْ: 'قوياً في عضلاته'، وإنما اختارَ اللفظَ الأوسعَ والأدقَّ: «مُعَافًى»، والمعافاةُ مشتقةٌ من العفوِ والستر، وأعلى درجاتِ المعافاةِ في البدنِ ألاَّ تعصيَ اللهَ بجوارحك! وإلاَّ كيفَ تُحازُ لهُ الدنيا بحذافيرها وهو يستعملُ صحتهُ في مبارزةِ مولاهُ بالذنوب؟ فالعافيةُ الحقيقيةُ هي طهارةُ البدنِ من معصيةِ الخالق، وانقيادهُ الفطريُّ لاسمِ اللهِ 'القيُّوم'، وهو ما يؤكدُ المعنى الذي أصلهُ الشيخُ سابقاً في شرحِ حديثِ الذكر؛ فحياةُ البدنِ بالمعافاةِ موصولةٌ بحياةِ القلبِ بالذكر.
وبعدَ أنْ أحكمَ ﷺ ميزانَ العافية، انتقلَ بنا في انسيابٍ مذهلٍ إلى القضيةِ التي تذبحُ طمأنينةَ العالم: (قوتُ اليوم).
فيقولُ الشيخُ في لفتتهِ البليغة: مالكاً قوتَ يومه..لم يقل مدخرللعام القادم ؟ باللهِ عليكَ يا ولدي استفقْ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ علَّقَ الغنى بـ (اليوم)؛ لأنَّ غدكَ في الغيبِ، والإيمانُ بالغيبِ ركنٌ، فالمطالبةُ بضماناتٍ لعامٍ قادمٍ هي اهتزازٌ في عقيدةِ الرزّاق! ويؤكدُ هذا المعنى الجليَّ ما أصلهُ الإمامُ ابنُ عطاءِ اللهِ السكندريُّ (ت ٧٠٩ هـ، ترجمانُ العارفينَ وطبيبُ النفوس) حينَ حذَّرَ من منازعةِ اللهِ في التدبير.
فيا ولدي، أنتَ لستَ مسؤولاً عن غدا، فإنَّ الذي أحياكَ اليومَ هو القائمُ على رزقِكَ غداً؛ فلا تقتلوا أنفسكم بضيقِ اليقينِ ووهنِ الدين، فإنَّ الإنسانَ يقتلُ نفسهُ بسكينِ التفكيرِ في الغد! أرحْ جوارحكَ بالسعيِ المباح، وأرحْ قلبكَ بالتفويضِ المطلق، تكنْ من أغنى أهلِ الأرض.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أنَّ السعادةَ الحقيقيةَ تكمنُ في 'شهودِ الكفافِ اليوميِّ بوصفهِ غنىً كاملاً'؛ فمن عوفيَ في بدنهِ من المعصية، وأَمِنَ في سربه، ورُزقَ يومه، فقد حازَ الكنوزَ كلها، ووجبَ عليهِ أن يذبحَ سكينَ التفكيرِ في الغدِ بسكينِ اليقينِ في الرزّاق.
