نداء الجواد ومفاتيح البصيرة في ليالي العتق من النيران
«وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلَّ لَيْلَةٍ»
نداء الجواد ومفاتيح البصيرة في ليالي العتق من النيران
سياق الشرح
ساقه الشيخ في سياق الحث على الاستجابة القلبية لنداء السماء، ومواساة السائرين بأن العطاء الإلهي يسبق العمل بمحض الجود والكرم في ليالي رمضان.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث الشريف، مبرزاً سر الاستجابة لنداء السماء وصفاء السريرة: إن من أعظم تجليات اسم الله "الجواد" أن العطايا والمنح تبدأ قبل أن يقدم العبد أي عمل. فما إن يهل الهلال، ولم نصم بعد ولم نقم، حتى يأمر الحق سبحانه منادياً من قِبَله فينادي: «يا باغي الخير أقبل». وهذا النداء العلوي يتردد في الآفاق، لكنه يتطلب من العبد آذان قلوب صاغية لتلتقطه. وهنا يشير الشيخ بإشارة ذوقية بليغة إلى حال أهل الزمان الأول، وكيف كانت الشوارع والبيوت تستنير بالفرحة وخروج الأطفال بالفوانيس؛ ليعللنا بأن السر لم يكن في الأضواء الحسية، بل لأن تلك النفوس كانت طاهرة، لا تقتات إلا على الحلال، ولا تتجرأ على محارم الله، فصفت بصائرهم واستشعروا هذا النداء السماوي في أعماق أرواحهم. ويؤكد هذا المعنى الجلي ما أصله الشيخ سابقاً في شرح الحديث الأول الخاص بتصفيد الشياطين؛ فبعد أن ارتفع حاجب الغواية، جاء دور الإقبال القلبي. ويتساءل الشيخ في لفتة تربوية عميقة: "الإقبال سيكون على مَن؟". ليعلمنا أنك يا ولدي إذا صح إقبالك وصدقت نيتك من أول ليلة، صح لك القبول في سائر الشهر. فالله الجواد يعتق الرقاب بمحض فضله كما أخبر الصادق المصدوق: «ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة». فلا تظن يا ولدي أن العتق ثمن لعملك أو صيامك، بل هو محض جود من ربك، وما عملك إلا علامة على صحة توجهك وافتقارك في ساحته. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن النداء الرباني "يا باغي الخير أقبل" هو دعوة لشهود كرم الله الذي يسبق العمل، وأن أكل الحلال وطهارة القلب هما مفتاح سماع نداءات الغيب ونيل جوائز العتق المستمرة في كل ليلة.
