أسرار المحبة والكمال في ميزان الكلمات الحبيبات
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم».
أسرار المحبة والكمال في ميزان الكلمات الحبيبات
سياق الشرح
جاء استشهاد الشيخ بهذا الحديث النبوي الشريف في سياق ترقية همة السالكين نحو طلب الرضا الإلهي، مبيناً أن غاية الذكر ليست مجرد تحصيل الحسنات، بل الفناء في محبة الرحمن وشهود كماله من خلال الغوص في أسرار التسبيح ومقامات الافتقار التام للمنعم.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث، مؤسساً لمعنى جليل في طريق السلوك ومصححاً لغايات الذاكرين: يا ولدي، إن مقامات الذاكرين تتفاوت بتفاوت مقاصدهم، والسر كله يكمن في قوله صلى الله عليه وسلم: «حبيبتان إلى الرحمن».
فاستشرافك يا ولدي إلى الذكر بهذه الكلمة المباركة بقصد نيل هذا الرضا، هو الذي يوجب لك المحبة الخالصة من الله.
فالعبد إذا أدرك أن ثمرة الذكر هي أن يكون حبيباً للرحمن، تضاءلت في عينه كل مطالب الدنيا والآخرة، وعلم يقيناً أن أهم من جزاء الجنة ذاته هو بلوغ "الرضا"؛ مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.
ولنتأمل يا ولدي في لطائف التزكية المخبوءة في هذا الحديث كما وجهنا الشيخ؛ لقد تذوق أهل الله أسرار هذه الكلمات في ميادين المجاهدة ففسروها قائلين: إن قولك "سبحان الله" هو تنزيه للحق تبارك وتعالى، وهو إشارة إلى مقام "الجلال"، وفيه يسحق قلب المريد داء الكبر والخيلاء.
أما قولك "وبحمده"، فهو إثبات للمحامد والنعم الإلهية، وهو إشارة إلى مقام "الجمال"، وفيه يقتلع من القلب داء القنوط واليأس.
فهو ذكر بديع يجمع بين توحيد الله من طريق الجلال ومن طريق الجمال معاً، فتستوي النفس على صراط التوازن والمحبة.
فكيف يرتقي العبد بعد ذلك؟ يوضح الشيخ أن قولك: "سبحان الله العظيم" هو إشارة إلى مقام "الكمال" المطلق.
وفي هذا المقام ترتقي الروح، وتذوب حظوظ النفس، وتتلاشى "الأنا" المقيتة في شهود كمال المحبوب جل جلاله، ليتمثل العبد حال أحد العارفين حين صاغ لواعج المحبة الإلهية قائلاً: "تيهتموني في بديع جمالكم ...فلم أدرِ في بحر الهوى أين موضعي" ويستطرد الشيخ في ربط هذا الحديث العظيم بمقام "الافتقار"، مبيناً أن جملة "سبحان الله وبحمده" حقيقة يقف عندها العبد خاشعاً، يناجي ربه بلسان الحال قائلاً: يا رب، أنت العظيم الكبير وأنا العبد الضعيف الصغير، فلا تؤاخذني؛ فإني لا أجد من الكلمات ما يوفيك حقك.
يا ولدي، إن هذه الكلمات إنما ينطق بها العارفون حقاً وهم مستقرون في دائرة "العجز عن الشكر".
وقد استدل الشيخ لتوكيد هذا المعنى الإشاري العظيم بما ورد من مناجاة نبي الله داود عليه السلام، في الأثر القدسي الجليل الذي أخرجه الإمام أحمد بن حنبل (ت: 241 هـ، إمام أهل السنة) في كتابه "الزهد"، حين وقف داود عليه السلام متحيراً في مقام الافتقار قائلاً: "يا رب، كيف أشكرك، وشكري لك نعمة منك عليَّ توجب عليَّ بها شكراً؟"، فأوحى الله تعالى إليه: "الآن شكرتني يا داود".
فما دمت قد وصلت مع المحبوب لدرجة أنك لا تجد لفظاً يسعفك في الثناء عليه، فقد أديت حق شكره، ونلت سر الكلمتين الخفيفتين.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن غاية الذكر هي محبة المذكور ورضاه، وأن التسبيح هو رحلة روحية تنتقل بالقلب من شهود الجلال والجمال إلى الفناء في مقام الكمال، متوجةً بالعجز التام عن إيفاء شكر المنعم، وهو عين المعرفة بالله.
