إشرافات الإيمان والاحتساب: من طلب الأجر إلى شهود العجز عن الشكر
«مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»
إشرافات الإيمان والاحتساب: من طلب الأجر إلى شهود العجز عن الشكر
سياق الشرح
جاء استشهاد الشيخ بهذا الحديث العظيم في سياق بيان المتلازمة الروحية بين صيام النهار وقيام الليل، ليرتقي بفهم الصائمين من مجرد أداء الفرض طلباً للثواب، إلى شهود المنة الإلهية والافتقار التام النابع من العجز عن الشكر.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان، باب صوم رمضان احتسابا من الإيمان، برقم (38)، مؤسساً لمعنى جليل في مقامات السير إلى الله: إن المتأمل يا ولدي في أحاديث رمضان الثلاثة: صيام الشهر، وقيامه، وقيام ليلة القدر، يجدها تشترك في سر عظيم وهو "إيماناً واحتساباً"، وتنتهي إلى غاية واحدة وهي "غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه". والصيام والقيام هنا متلازمة نورانية؛ فالعبد يصوم في النهار متشهداً فضل الله عليه الذي وفقه وأعانه، فإذا جنّ عليه الليل أقام صُلبه بين يدي مولاه في القيام ليشكره على نعمة توفيق صيام النهار، فإذا أصبح عاد لصيامه شكراً على توفيق الله له في قيام الليل! وهكذا يتقلب العبد المحب بين مقامات الشكر والعجز، مستشعراً الحياء من ربه، فيستحيي أن يعصيه بجوارح تغذت على موائده، وهذا الحياء هو الذي يورثه المغفرة التامة لما تقدم من الزمان.
ولاحظ يا ولدي كيف أن الصيام والقيام لم يأتيا بمعزل عن بعضهما، وهذا التطابق في السبك النبوي البديع ليس تكراراً، بل تأكيد على أن الله يُعبد بكل ما يُقصد به إليه، فإن فاتك كمال الصيام نهاراً استدركت بالقيام ليلاً، وإن قصرت في قيام الشهر تداركتك ليلة القدر بفضلها. وهذا يؤكد حقيقة الفهم الصوفي أنك لا تعتمد على الكيفية والأهلية في ذاتها، بل تعتمد على صدق القصد إلى الله. ألا ترى كيف أن بلوغ درجة "احتساباً" لا تعني مجرد طلب العوض؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم استخدم لفظة "احتساباً" ولم يقل "طمعاً"؛ لأن الاحتساب فيه معنى التسليم المطلق لفضل الله واليقين في كرمه بلا حول من العبد ولا قوة. فصدق الاستدلال هنا جلي؛ إذ كيف ينال المغفرة التامة من يرى عمله بعين العجب؟ فأسنى معاني الاحتساب هي معافاة القلب من رؤية العمل، وشهود منة الموفق جل جلاله.
وقد قسم الشيخ الناس في مقام "الإيمان والاحتساب" إلى ضربين: الأول هم أهل الظاهر، الذين إيمانهم بالفرض واحتسابهم للأجر الموعود من الله، وهذا مقام كريم. أما الضرب الثاني، وهم أهل العرفان والشهود، فإيمانهم بالفضل الإلهي، واحتسابهم للعجز عن الشكر! ولتوضيح هذا الانتقال العظيم، نجد أن أهل المقامات العالية أدركوا أن كل طاعة هي منّة من الله، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. ولذلك يؤكد الشيخ هذا المعنى الجلي بقوله: "لا تنظر إلى ما منك إليه ولكن أدرك ما منه إليه"، وهو عين ما أشار إليه الإمام ابن عطاء الله السكندري (ت 709 هـ، تاج الدين ولسان الصوفية الأكبر) حين قال: "متى أطلق لسانك بالطلب فاعلم أنه يريد أن يعطيك".
فالله سبحانه وتعالى هو الذي أهّلك للصيام، وهو الذي نسب الفعل إليك تكرماً، ثم أثابك عليه! فأنت تصوم شكراً لإحسانه، وتقف بين يديه عاجزاً عن شكره، وشتان بين من يقف على باب الكريم يطلب الأجر، وبين من يقف منبهراً بجمال العطاء عاجزاً عن الشكر. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن تمام الصيام ليس بالإمساك عن المفطرات فحسب، بل بشهود فضل المُوفِّق سبحانه وتعالى، والانتقال بالقلب من رؤية العمل وطلب العوض عليه، إلى رؤية المنة الإلهية، والتحقق التام بالافتقار والعجز عن أداء شكر نعمته، فبذلك تنال المغفرة الشاملة.
