Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/شرح الحديث الشريف/تطابق الظاهر والباطن: القرآن عطر المؤمن وميزان استقامته
صحيح البخاري - حديث 5427 - متفق عليهتزكية

تطابق الظاهر والباطن: القرآن عطر المؤمن وميزان استقامته

هذا شرح مستفاد من كلام الشيخ في سياق موضوعي موثق.
صحيح البخاري - حديث 5427 - متفق عليهالراوي: أبو موسى الأشعري
«مَثَلُ المُؤْمِنِ الذي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ، رِيحُها طَيِّبٌ وطَعْمُها طَيِّبٌ، ومَثَلُ المُؤْمِنِ الذي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ، لا رِيحَ لها وطَعْمُها حُلْوٌ، ومَثَلُ المُنافِقِ الذي يَقْرَأُ القُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحانَةِ، رِيحُها طَيِّبٌ وطَعْمُها مُرٌّ، ومَثَلُ المُنافِقِ الذي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ، ليسَ لها رِيحٌ وطَعْمُها مُرٌّ»

تطابق الظاهر والباطن: القرآن عطر المؤمن وميزان استقامته

سياق الشرح

جاء هذا التوجيه من الشيخ محذراً السالكين بلهجة إرشادية حانية من الاغترار بالانشغال بالنوافل والأوراد مع هجران تلاوة القرآن، ومبيناً أن ترك كلام الله هو حسرة وندامة تحجب عن القلب أنوار القرب وتكتم عطره الروحاني.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث [«مَثَلُ المُؤْمِنِ الذي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ، رِيحُها طَيِّبٌ وطَعْمُها طَيِّبٌ، ومَثَلُ المُؤْمِنِ الذي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ، لا رِيحَ لها وطَعْمُها حُلْوٌ، ومَثَلُ المُنافِقِ الذي يَقْرَأُ القُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحانَةِ، رِيحُها طَيِّبٌ وطَعْمُها مُرٌّ، ومَثَلُ المُنافِقِ الذي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ، ليسَ لها رِيحٌ وطَعْمُها مُرٌّ»] موجهاً بوصلة السالكين ومصححاً لخلل خفي قد يتسلل إلى القلوب: إنك لترى يا ولدي عجباً في زماننا؛ إذ ينكب بعض المحبين على أورادهم، ويجتهدون في تحصيلها، ثم هم يتركون القرآن الكريم ويهجرونه! واعلم، أرشدك الله، أن القرآن هو الأصل المتين، وهو "وِرد كل الأوراد"، وإن هجرانه لهو حسرة وندامة تقطع على السالك طريق الوصول. ولكي يضع لنا الشيخ ميزاناً دقيقاً نزن به أحوالنا، غاص في معاني هذا الحديث الجامع. فالنبي جعل المقياس هنا مرتبطاً بالثمار وما تحمله من صفتين: "الريح" و"الطعم". ولعلك تتساءل يا ولدي متفكراً: ما السر الكامن وراء ذكر الطعم والريح في هذا التشبيه النبوي البديع؟ يجيبنا الشيخ بفيض من الإشارات النورانية قائلاً: إن الطعم الحلو إنما يمثل "الباطن"؛ حيث يستقر الإيمان، وتنعقد النوايا، وتصح العقيدة. وأما الريح الطيب، فهو "الظاهر"؛ حيث تتجلى أقوال العبد وأفعاله في الناس. والمؤمن الذي جعل القرآن إمامه وورده الأعظم، تتطابق أقواله الصحيحة مع أحواله الصحيحة، فيصبح ظاهره كباطنه، كالأترجة (وهي ثمرة زكية كالتفاحة)؛ ريحها يفوح بالخير، وطعمها يسر الآكلين. وفي هذا التطابق التام تتجلى أسمى معاني مقولة "الدين المعاملة"؛ إذ لا ينفصل إيمان القلب عن حسن السلوك. ثم يلفت الشيخ أنظارنا إلى مقام آخر يحمل طيات الحذر والشفقة؛ وهو حال المؤمن الذي صح إيمانه وباطنه، لكنه هجر تلاوة القرآن. فهذا كمثل "التمرة"؛ طعمها في جوفها حلو لذيذ لصدق إيمانه، بيد أن روائحه الروحانية في الوجود "مكتومة ومزكومة". ولماذا تنكتم رائحته يا ولدي؟ لأن كلام الله جل جلاله هو عطر المؤمن وريحه الذي يتضوع به في ملكوت السماوات والأرض. فمن غفل عن كتاب ربه، حُرم من ذلك العطر، وبقي سجين غفلته وإن صح إيمانه. وأما من غلبه النفاق، والعياذ بالله، فقد خرب باطنه ومر طعمه. فإن قرأ القرآن كان كالريحانة؛ يغرك ريحها الظاهر وطعمها في الحلق مر. وإن هجر التلاوة مع النفاق، فقد جمع الخسران كله كالحنظلة؛ لا ريح يسر، ولا طعم يمر. وإلا فكيف يستقيم الظاهر وقد فسد الباطن؟ فأساس التزكية وملاكها أن يُعمر القلب بالإيمان ويُعطر اللسان بالقرآن. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن كلام الله تعالى هو عطر الأرواح وميزان القبول، به تتطابق سريرة المؤمن مع علانيته، محذراً من الاكتفاء بالنوافل وهجر التلاوة الذي يكتم أنفاس القلوب ويحرمها من عبير القرب والمشاهدة.

ويمكنك مشاهدة الفيديو بالكامل من هنا