سر التوحيد وأزلية الخالق جل جلاله
«عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ... فَقَالَ: اقْبَلُوا البُشْرَى يَا أَهْلَ اليَمَنِ، إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ، قَالُوا: قَبِلْنَا، جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الأَمْرِ مَا كَانَ؟ قَالَ: كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، - وَفِي رِوَايَةٍ: مَعَهُ - وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ»
سر التوحيد وأزلية الخالق جل جلاله
سياق الشرح
الإجابة عن تاريخ الكون وبداية الخلق وسر الأزلية وتوضيح معنى التوحيد الصافي بأسلوب روحي عميق.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مؤسساً لأصل أصيل في العقيدة ومطهراً القلوب من أوهام التعلق بالمخلوقات والتعامي عن نور الخالق: يا ولدي، حين جاء أهل اليمن إلى المصطفى ﷺ يسألونه عن تاريخ الكون وبدايته، لم يكن الجواب تقريراً مادياً جافاً عن الأجرام والسماوات فحسب، بل كان إرساءً لقواعد التنزيه المطلق. فقوله ﷺ: «كان الله ولم يكن معه شيء قبله» يمحو من القلب أي تصور لوجود يزاحم وجود الله في أزليته. ولتعميق هذا المعنى، استأنس الشيخ بمقولة قطب العارفين الإمام ذي النون المصري (ت: ٢٤٥ هـ، أحد أوائل أئمة الصوفية وعالم مصر في زمانه) حين سئل عن التوحيد فقال مجيباً بكلمتين قاطعتين: ""كان الله ولم يكن معه شيء ثاني، وهو الآن على ما عليه كان"". هذا الفهم الإشاري العميق المستنبط من الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري (كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، رقم ٣١٩١) يوضح لنا أن كل هذا الكون الواسع، إنما هو عدم محض إذا قورن بوجود الله الغني الحميد، فيا عجباً كيف يظهر الوجود في العدم؟ بل كيف نعظم الأسباب وننسى رب الأرباب؟
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: ترسيخ عقيدة تنزيه الله عز وجل عن الزمان والمكان والمقارنة، وإدراك العبد لضعف وفناء العالم من حوله ليتعلق قلبه بالحي القيوم الأزلي الأبدي الذي لا يزول ولا يحول.
