سر الخطوة الأولى: من مشي الإرادة والمجاهدة إلى هرولة العناية الإلهية
«يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»
سر الخطوة الأولى: من مشي الإرادة والمجاهدة إلى هرولة العناية الإلهية
سياق الشرح
استلهم الشيخ معاني هذا الحديث القدسي في سياق حث المريدين على المبادرة بهجران صحبة السوء وبيئة المنكرات، مبيناً أن خطوة واحدة من العبد نحو الله كفيلة بأن تفتح له أبواب العناية الربانية التي تسير به في طريق النجاة.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مؤسساً لمعنى جليل في مسالك السائرين إلى الله: يا ولدي، إن المتأمل في قصة أهل الكهف يجدها تطبيقاً عملياً وروحياً لهذا الحديث القدسي العظيم. فالبداية في طريق القوم لا تتطلب منك أن تقطع المسافات الطوال بقوتك المحدودة أو حولك الضعيف، بل تكفيك "خطوة" واحدة صادقة تفر بها من بيئة المنكرات وصحبة السوء. يخبرك الحق جل جلاله في الحديث: «وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»، والشيخ يترجم هذا المعنى الرباني بلسان التربية قائلاً: "الكهف إنك تبعد خطوة بس، وأنا أسير بك". إن مشي العبد المذكور في الحديث هو مجاهدته في الإعراض عن مضلات الزمان، وهرولة الرب هي تنزل العناية التي تحيط به، وتطوي له مسافات الغفلة ليبلغ مقامات القرب. وهنا نؤكد صحة الاستدلال وعمقه البالغ؛ فالله سبحانه وتعالى لم يكلف الفتية بتغيير الكون من حولهم، ولم يطلب منهم مقارعة جحافل الفساد بقوة لا يملكونها، بل كلفهم بالمبادرة والإقبال الصادق فقال: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾. والكهف في حقيقته الإشارية ليس مجرد غار من حجارة، بل هو حضرة القرب التي يفر إليها العبد. فإذا خطوت هذه الخطوة الميمونة متجهاً إلى مولاك، تحولت العزلة إلى "مطار" روحي -كما يصفه الشيخ- يأخذك من ضيق العوائد الدنيوية إلى سعة "دولة الحقيقة". وكيف لا يهرول الله برحمته إليك وأنت الذي أعطيت ظهرك لهرج الوقت من أجله؟ ويؤكد هذا المعنى الجلي ما قرره أئمة السلوك، وكما يقول سيدي الإمام تاج الدين بن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة 709 هـ، قطب العارفين وصاحب الحكم العطائية) في حكمه البليغة: "لا ترحل من كون إلى كون فتكون كحمار الرحى... ولكن ارحل من الأكوان إلى المكون". فرحلتك تبدأ بخطوة الإقبال والمشي المتواضع الصادق، لتسير بك عناية الله إلى المنتهى، حيث تحفظك من علل الجسد وتطوي لك الزمان طياً، مصداقاً للهرولة الإلهية في الحديث، فتُخرق لك العوائد وتثبت لك الكرامات كما ثبتت لأهل الكهف الذين غلبت أحوالهم النورانية ظواهرهم البشرية. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن سير العبد إلى الله لا يُقاس بمسافات الأبدان ولا بكثرة الأعمال الظاهرة فقط، بل بصدق التوجه بخطوة المجاهدة القلبية مبتعداً عن السوى، فإذا صحت البدايات بمشي الإرادة، أشرقت النهايات بهرولة العناية الربانية التي تطوي للمحب مسافات الوصول.
