فناء الجسد في أنس المشاهدة
«كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ» وفي رواية «حَتَّى تَوَرَّمَ الأَقْدَامُ»
فناء الجسد في أنس المشاهدة
سياق الشرح
ساق الشيخ هذا الحديث مبرزاً حالة الأنس بالله التي تنسي المحب آلام جسده، وموضحاً أن تورم أقدام النبي لم يكن مشقة مفروضة، بل غياباً عن الحس في حضرة القدس.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مصححاً لفهم قاصر قد يظن أن العبادة مشقة جسدية فحسب، إن تورم أقدام النبي الشريفة لم يكن نتيجة تكلف أو إرهاق، بل هو ثمرة "التحرر من ألم الجسد". يا ولدي، إن الروح إذا حلقت في ميادين الأنس والمناجاة، غابت عن كثافة الطين، فلم يعد الجسد يشعر بثقله. هذا هو كمال الحرية التي قصدها الشيخ؛ أن تتحرر من شكوى البدن وأنينه لأن قلبك قد امتلأ بمشاهدة الجمال الإلهي. ويؤكد هذا المعنى الجلي ما أصله الشيخ سابقاً في شرح حديث الجود، حيث أن التحرر من المادة والمال يقود حتماً للتحرر من قيود البدن. وقد بيّن الشيخ ذلك بلمحة إشارية بديعة حين تطرق إلى سهو النبي في صلاته، فقال: "سهى أي أنس بالله عما سواه"، فالسهو هنا ليس غفلة عن الله كما يتوهم المحجوبون، بل هو استغراق في الله غيّبه عن عالم الشهادة وألم الحزن وألم الجسد. وهذا يتوافق مع ما أشار إليه الإمام "ابن عجيبة" (المتوفى سنة 1224 هـ، العالم المغربي والمفسر الصوفي الكبير) في لطائفه، بأن المحب إذا تجلى له محبوبه، طاشت حواسه، وسكرت روحه بشهود الجمال، فلو قُطعت أعضاؤه ما أحس بها. وإلا كيف يقف إنسان الساعات الطوال حتى تتشقق قدماه وهو يبتسم راضياً؟ الجواب قطعي: لقد كان الجسد في الأرض، والروح تطوف بالعرش. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن العبادة الخالصة ترتقي بالسالك من طور المجاهدة إلى طور المشاهدة، حيث تتلاشى آلام البدن وتندثر حظوظ النفس، وتغرق الروح في بحار الأنس الإلهي دون التفات لعناء الجوارح.
