أنوار الإيثار ومائدة التجلي الإلهي
«عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا الْمَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا. فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي. فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً. فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ»
أنوار الإيثار ومائدة التجلي الإلهي
سياق الشرح
ساق الشيخ هذا الحديث العظيم في معرض استنهاض همم السالكين لإكرام المحتاجين، وجعل كل مسكين ضيفاً على رسول الله ﷺ، لبيان أن العطاء الحقيقي هو ما كان خالصاً للمحبة دون انتظار للجزاء، كما فعل الرعيل الأول
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث كاشفاً عن الخريطة الروحية لمقام الإيثار، ومبيناً أن هذا الموقف النبوي لم يكن مجرد حادثة عابرة لضيافة عادية، بل كان امتحاناً لقلوب الصحابة في مقام "التخلية والتحلية". يا ولدي، تأمل بقلبك النابض بالمحبة نداء الحبيب المصطفى ﷺ: «مَنْ يُضِيفُ هَذَا؟»؛ إن الاستجابة الفورية من ذلك الأنصاري لم تنبع من وفرة ماله، بل من اندفاع روحه العاشقة التي ترى في أمر رسول الله ﷺ وخدمة ضيفه غاية المراد ومبتغى الوجود.
لقد واجه هذا الأنصاري وزوجته الصالحة حقيقة واقعهم المرير بـ "قوت الصبيان"، وفي تلك اللحظة الحرجة نطق بكلمات جليلة القدر يكتبها المحبون بماء الذهب: "هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك". إن إطفاء السراج هنا -كما يشير الشيخ- ليس مجرد حيلة مادية ليوهموا الضيف في الظلام أنهما يأكلان معه، بل هو في حقيقته الروحية إطفاء لنور حظوظ النفس وأنانيتها، وخمود لنار الشهوة الجسدية، ليشتعل بدلاً منه نور الإيثار الصافي. وحين باتا طاويين على الجوع من أجل إكرام خاطر الجناب النبوي، أشرقت أرواحهما، فنالت أعظم وسام بتنزيه الحق سبحانه وتعالى في قوله ﷺ: «لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا»، وهذا العجب والضحك المنسوب للذات العلية إنما هو نزول الرحمات، والفيوضات، ورضوان يغمر الأرواح في الدنيا قبل الآخرة.
وهذا يؤكد ما أصله الشيخ لاحقاً في مقام "كفالة الأمة" حين استدعى مروءة الإمام القطب الغوث سيدي أبو الحسن الشاذلي -علي بن عبد الله الحسني، المتوفى سنة ٦٥٦ هـ، مؤسس الطريقة الشاذلية وإمام المحققين- حين كان يدعو: "اللهم أغنني بلا سبب، واجعلني سبب الغنى لأوليائك". فالأنصاري ضحى بـ "قوت الصبيان"، والشاذلي طلب الغنى لـ "كفالة الأيتام"؛ وكلاهما يغترفان من بحر المروءة المحمدية لحماية الضعفاء من الانكسار. ويؤكد هذا المعنى الجلي أيضاً ما سار عليه العارف بالله تعالى الشيخ أحمد رضوان الأقصري -المتوفى سنة ١٣٨٧ هـ، مؤسس الساحة الرضوانية- في دعائه: "اللهم سُقْ إليَّ من أردتَ سعادتَه، وسُق لي رزقَه قبل أن يأتيني". إنها ذات الروح التي تسري من الأنصاري إلى أئمة التصوف؛ أن تجعل الأمة بأسرها ضيوفاً على سيدنا رسول الله ﷺ، فتعطيهم وتكرمهم حباً له ومراعاة لخاطره الشريف، دون انتظار مقابل، ممتثلين للسر الرباني في ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن الإيثار الحقيقي لا يُقاس بحجم العطاء المادي، بل بصدق التجرد وشدة المحبة، وأن إكرام المحتاجين بنية استضافتهم على مائدة رسول الله ﷺ هو مفتاح نزول العجب الإلهي وتجلي رحمات السماء.
