محراب الأحرار.. سر التحول من العبادة المشروطة إلى مقام «العبد الشكور»
عن عائشة رضي الله عنها، أن نبي الله ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا».
محراب الأحرار.. سر التحول من العبادة المشروطة إلى مقام «العبد الشكور»
سياق الشرح
ساقه الشيخ في معرض التحذير من العبادة المشروطة بطلب العوض الدنيوي، مبيناً النموذج الأكمل للعبودية المنزهة عن الأغراض.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مبرزاً أسمى مقامات الأدب مع الجناب الإلهي: إن هذا النص الشريف يضع للمريد السالك ميزاناً يفرق به بين "عبادة التجار" القائمة على المعاوضة، وبين "عبادة الأحرار" القائمة على المحبة والشهود.
وتأمل يا ولدي كيف سألت أمنا السيدة عائشة رضي الله عنها (ت: 58 هـ، أفقه نساء الأمة وأحب أزواج النبي إليه) بمنطق الفقه الظاهر الذي يربط التكليف بعلة إسقاط الإثم، فقالت: «وقد غفر الله لك»، فكأن لسان حالها يقول: إن غاية العمل هي النجاة، وقد تحققت لك النجاة قطعاً.
وهنا يأتي الجواب النبوي المعجز: «أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا»، ليلفت الأمة إلى أن أرفع البواعث على الطاعة ليس الخوف من النار ولا الطمع في الجنة فحسب، بل هو "شهود كمال المنعم".
وإذا أمعنت النظر يا بني في دقة اللفظ النبوي، تجده لم يقل "أفلا أكون شاكرا"، بل استعمل صيغة المبالغة "شكورا"؛ لأن الشاكر هو من يشكر على العطاء، أما الشكور فهو الذي يرى المنعم في المنع والعطاء على حد سواء.
وكيف لا يكون كذلك، وهو الذي يحيي الليل حتى تتفطر قدماه الشريفتان؟ والتفطر هو التشقق من طول القيام، فجعل ألم الجسد الفاني قرباناً لبقاء الروح في حضرة الباقي سبحانه، مصداقاً للوعد القرآني: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
ولا ينقطع هذا المعنى يا ولدي عند حدود المحراب النبوي، بل ينسدل في سلاسة عجيبة ليكون منهج حياة للمؤمن في بيته؛ إذ يوجهنا الشيخ أن نأخذ هذه الجملة النبوية فنجعلها مرآة صقيلة نعرض عليها سائر أفعالنا، فإذا وقفت أمام خزانة ثيابك، أو فتحت باب ثلاجتك، أو طالعت أوسمتك الدنيوية، فاهتف بقلبك: "أفلا أكون عبدا شكورا؟".
فبهذا التوطين الباطني، يتحرر المؤمن من آفة الكبر والعجب، ويرد الفضل كله للمتفضل الأول، كما أصله العارف بالله الإمام ابن عطاء الله السكندري (ت: 709 هـ، تاج الدين ومقنن التصوف الشاذلي) في «حكمه» بقوله: "من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها".
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن كمال العبودية لا يتحقق إلا بالانتقال من التعبد طلباً للحظوظ والعوض، إلى التعبد حياءً من الله وشكراً لذاته العلية في السراء والضراء.
