Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/شرح الحديث الشريف/ميزانُ الوجودِ والعدمِ | فقهُ الخروجِ من ميادينِ الغفلةِ إلى فضاءِ المشاهدة
صحيح البخاري - حديث 6407 - متفق عليهتزكية

ميزانُ الوجودِ والعدمِ | فقهُ الخروجِ من ميادينِ الغفلةِ إلى فضاءِ المشاهدة

هذا شرح مستفاد من كلام الشيخ في سياق موضوعي موثق.
صحيح البخاري - حديث 6407 - متفق عليهالراوي: أبو موسى الأشعري رضي الله عنه
عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ».

ميزانُ الوجودِ والعدمِ | فقهُ الخروجِ من ميادينِ الغفلةِ إلى فضاءِ المشاهدة

سياق الشرح

جاءَ استشهادُ الشيخِ بهذا الميزانِ النبويِّ في سياقِ بيانِ حقيقةِ الحياةِ الروحية، لينبّهَ المريدَ إلى أنَّ انقضاءَ العمرِ في الغفلةِ هو موتٌ معنويٌّ، وأنَّ الذكرَ هو الترياقُ الأوحدُ لإثباتِ الوجودِ في حضرةِ اسمِ اللهِ 'الحي'.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث، مؤسساً لمفهومِ الوجودِ الحقيقيِّ ومفرّقاً بينَ حياةِ الأرواحِ ورقدةِ الأشباح: إنَّ العبدَ يا ولدي حينَ يمرُّ عليهِ الزمان، فينتقلُ من عامٍ إلى عام، لا يجوزُ لهُ أن يزنَ حياتهُ بميزانِ الشهيقِ والزفيرِ البيولوجيِّ؛ فإنَّ هذا الميزانَ تشتركُ فيهِ البهائمُ مع بني الإنسان.
وإنما الميزانُ النبويُّ الصارمُ الذي وضعهُ لنا الحبيبُ هنا يقررُ حقيقةً مذهلة، وهي أنَّ الغافلَ عن ذكرهِ هو في حكمِ الميتِ وإنْ تحرَّكَ بينَ الأحياءِ بجسدٍ صحيح!
وتأمَّلْ معي يا ولدي في دقةِ التعبيرِ النبويِّ حينَ قابلَ بينَ 'الذكر' و'الحياة'؛ ليعلّمنا أنَّ الروحَ لا تتنفسُ الأكسجين، بل تتنفسُ أنوارَ التوحيد.
وإذا أردتَ أن تعرفَ ما هو الذكرُ على الحقيقةِ في قاموسِ أهلِ اللهِ، فهو كما عرَّفهُ الإمامُ أبو القاسمِ القشيريُّ (ت ٤٦٥ هـ، ركنُ المذهبِ الشافعيِّ وعلمُ الطريقةِ المعتدلة) بأنهُ: 'الخروجُ من ميادينِ الغفلةِ إلى فضاءِ المشاهدة'.
يا ولدي، إنَّ الغفلةَ ميدانٌ ضيقٌ محصورٌ في رؤيةِ الأسباب، أما المشاهدةُ فهي فضاءٌ رحبٌ يطيرُ فيهِ القلبُ إلى شهودِ المُسبّب.فمن لم يخرجْ بقلبهِ ولسانهِ من سجنِ الغفلةِ إلى رحابةِ الذكر، فقد ماتَ قلبهُ، وماتَ لسانه، وظلَّ يموتُ في المعنى لحظةً وراءَ الثانية، حتى يصبحَ في الحقيقةِ السلوكيةِ 'قبراً يَمشي في قبر'!
وهذا الميزانُ الشريفُ يقطعُ ألسنةَ المنكرينَ الذين يزهدونَ في مجالسِ الذكرِ وحِلقِهِ المشروعة؛ فكيفَ يُنكرُ عاقلٌ دواءً وصفهُ الطبيبُ الأعظمُ لإحياءِ الموات؟ فتأدَّبوا يا ولدي مع الحياة؛ فإنَّ الحياةَ منحةٌ فائضةٌ من تجلِّي اسمِ اللهِ 'الحيِّ'، ولا حياةَ لقلبٍ هجرَ ذكرَ مُحييه.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أنَّ الذكرَ ليسَ مجردَ ألفاظٍ تُردَّد، بل هو 'حالةُ إحياءٍ مستمرة' تنقلُ العبدَ من ضيقِ رؤيةِ نفسه، إلى سعةِ شهودِ ربه؛ فمن واظبَ عليهِ كُتبَ في ديوانِ الأحياءِ باسمِ اللهِ الحي، ومن غفلَ عنهُ كُتبَ في ديوانِ الموتى وإنْ مشى على الأرض.

سنن الترمذي - حديث 2346 - حسنالراوي: عبيد الله بن محصن الأنصاري رضي الله عنه
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا».

ميزانُ الكفافِ وسكينةُ التفويضِ | إعدامُ القلقِ النفسيِّ وذبحُ سكينِ التفكيرِ في الغد

سياق الشرح

ساقهُ الدكتور جابر بغدادي في سياقِ تحريرِ ميزانِ الغنى والفقر، ليواسيَ القلوبَ المنهكةَ من همِّ التدبيرِ، وينزعَ منها هاجسَ الخوفِ من المستقبلِ في مطلعِ العامِ الجديد.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث، مصححاً لمفاهيمِ الغنى والفقرِ ومقدماً الترياقَ النبويَّ لداءِ القلقِ المعاصر: إنَّ هذا الحديثَ الشريفَ يا ولدي هو الدستورُ النبويُّ الأعظمُ في 'الطبِّ النفسيِّ الروحي'؛ يضعُ بهِ المصطفى ميزاناً ينسفُ أوهامَ البشرِ عن السعادة.
وتأمَّلْ معي يا ولدي في التدرجِ البديعِ لألفاظِ النبوة، وكيفَ ننتقلُ في رياضها من زهرةٍ إلى زهرةٍ في ترابطٍ محكمٍ لا انفصامَ فيه.
فبدأَ بـ (الأمنِ في السرب)، ثم ثنَّى بـ (المعافاةِ في البدن).
وهنا يقفُ شيخنا وقفةَ العارفِ المحققِ ليقولَ لك: الحمدُ للهِ، لا تحتاجُ إلى جهازِ سكرٍ ولا ضغط، وحتى لو ابتُليتَ بشيءٍ من ذلك، فأنتَ برغمِهِ معافىً في بدنك؛ لأنَّ خلايا جسدِكَ لا تُخطئُ في تسبيحِ خالقها! واستدلَّ معي يا ولدي بلغةِ العربِ وأسرارِ الوحي؛ فإنَّ النبيَّ لم يقلْ: 'صحيحاً في بدنه'، ولم يقلْ: 'قوياً في عضلاته'، وإنما اختارَ اللفظَ الأوسعَ والأدقَّ: «مُعَافًى»، والمعافاةُ مشتقةٌ من العفوِ والستر، وأعلى درجاتِ المعافاةِ في البدنِ ألاَّ تعصيَ اللهَ بجوارحك! وإلاَّ كيفَ تُحازُ لهُ الدنيا بحذافيرها وهو يستعملُ صحتهُ في مبارزةِ مولاهُ بالذنوب؟ فالعافيةُ الحقيقيةُ هي طهارةُ البدنِ من معصيةِ الخالق، وانقيادهُ الفطريُّ لاسمِ اللهِ 'القيُّوم'، وهو ما يؤكدُ المعنى الذي أصلهُ الشيخُ سابقاً في شرحِ حديثِ الذكر؛ فحياةُ البدنِ بالمعافاةِ موصولةٌ بحياةِ القلبِ بالذكر.
وبعدَ أنْ أحكمَ ميزانَ العافية، انتقلَ بنا في انسيابٍ مذهلٍ إلى القضيةِ التي تذبحُ طمأنينةَ العالم: (قوتُ اليوم).
فيقولُ الشيخُ في لفتتهِ البليغة: مالكاً قوتَ يومه..لم يقل مدخرللعام القادم ؟ باللهِ عليكَ يا ولدي استفقْ؛ فإنَّ النبيَّ علَّقَ الغنى بـ (اليوم)؛ لأنَّ غدكَ في الغيبِ، والإيمانُ بالغيبِ ركنٌ، فالمطالبةُ بضماناتٍ لعامٍ قادمٍ هي اهتزازٌ في عقيدةِ الرزّاق! ويؤكدُ هذا المعنى الجليَّ ما أصلهُ الإمامُ ابنُ عطاءِ اللهِ السكندريُّ (ت ٧٠٩ هـ، ترجمانُ العارفينَ وطبيبُ النفوس) حينَ حذَّرَ من منازعةِ اللهِ في التدبير.
فيا ولدي، أنتَ لستَ مسؤولاً عن غدا، فإنَّ الذي أحياكَ اليومَ هو القائمُ على رزقِكَ غداً؛ فلا تقتلوا أنفسكم بضيقِ اليقينِ ووهنِ الدين، فإنَّ الإنسانَ يقتلُ نفسهُ بسكينِ التفكيرِ في الغد! أرحْ جوارحكَ بالسعيِ المباح، وأرحْ قلبكَ بالتفويضِ المطلق، تكنْ من أغنى أهلِ الأرض.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أنَّ السعادةَ الحقيقيةَ تكمنُ في 'شهودِ الكفافِ اليوميِّ بوصفهِ غنىً كاملاً'؛ فمن عوفيَ في بدنهِ من المعصية، وأَمِنَ في سربه، ورُزقَ يومه، فقد حازَ الكنوزَ كلها، ووجبَ عليهِ أن يذبحَ سكينَ التفكيرِ في الغدِ بسكينِ اليقينِ في الرزّاق.

ويمكنك مشاهدة الفيديو بالكامل من هنا

ميزانُ الوجودِ والعدمِ | فقهُ الخروجِ من ميادينِ الغفلةِ إلى فضاءِ المشاهدة | شرح الحديث الشريف | الشيخ جابر بغدادي