تجليات الكرم الإلهي المسبق: عطايا الوهاب قبل عمل العباد
«إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ»
تجليات الكرم الإلهي المسبق: عطايا الوهاب قبل عمل العباد
سياق الشرح
استدعى الشيخ هذا الحديث الجليل في سياق إبراز كرم الله المسبق على عباده، حيث شرع في تهيئة الكون كله لاستقبالهم قبل أن يقدموا عملاً واحداً، وذلك تحفيزاً للقلوب على حب الله والإقبال عليه.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الصيام، باب فضل شهر رمضان، برقم (1079)، مبرزاً معنى مهماً من معاني الوداد الإلهي: إن هذا الحديث يا ولدي يعكس تجليات الكرم الإلهي الصافي على الإنسان قبل أن يتحرك العابد بعبادته، وقبل أن يظمأ الصائم بصيامه! فتأمل عجائب اللطف الرباني؛ فقد قفل لك باب النار، وفتح لك أبواب الجنة، وصفّد لك مردة الشياطين، ونادى مائدة قلبك لتستعد لتجليات القرب. وكل هذا التكريم والتهيئة الكونية الكبرى وقعت والإنسان لم يفعل شيئاً بعد! فهو لم يصم يوماً واحداً في بداية الشهر، ولم يقم ليلته الأولى بعد، فماذا فعل العبد لينال كل هذه العطايا؟ الإجابة: لا شيء! إنما هو الفضل المحض. فإن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم أدق الألفاظ إذ قال «فُتِّحَتْ» بصيغة التضعيف والمبالغة في الكثرة والسعة، ولم يقل "فُتَحَتْ"، ليدل على عِظَم الاحتفاء وكثرة الأبواب المفتوحة دون حساب للسالكين، وهذا التضعيف اللفظي يقابله تضعيف في الرحمات. فكيف يغيب عن قلبك هذا اليقين في كرمه؟ ألا يؤكد ذلك صدق الاستدلال على عظمة المنة الإلهية المسبقة؟ وإلا كيف ينال العبد هذه المنح والمكرمات التي وسعت السماوات والأرض وهو لم يركع ركعة واحدة بعد في شهر رمضان؟ فأسنى معاني الفضل هنا هو أن الله يكرمك قبل أن تعمل، لكي تعمل محبةً وشوقاً، لا خوفاً وطمعاً. وهذا المعنى يربطنا يقيناً بما قرره الشيخ في الحديث السابق من متلازمة العجز والشكر، فإذا كان العبد يعجز عن شكر التوفيق للطاعة، فكيف يشكر تهيئة الأكوان له؟ وقد نبه العارف بالله الإمام ابن عجيبة (ت 1224 هـ، المفسر الصوفي صاحب البحر المديد) إلى أن الله إذا أحب عبداً هيأ له أسباب الوصال ورفع من طريقه موانع الإقبال. فإغلاق أبواب النار وتصفيد الشياطين هو رفعٌ للموانع والحُجُب، وفتح أبواب الجنة هو بسطٌ لميادين القرب. ثم يتجلى سر الكرم الأعظم حين تعمل، فيشكرك الحق سبحانه على عمل هو الذي أقدرك عليه ووفقك إليه، كما أمر آل داود بالشكر في قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾، فإذا عملت أغفل الطرف عن معونته لك وقال: "وشكرناك"، واسمه الشكور. فأي كرم هذا الذي ينسب إليك الفضل الذي هو في الحقيقة مبتدئه ومنتهاه؟ فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن العطايا الربانية في المواسم الفاضلة تسبق الأعمال الصالحة، تنبيهاً للعبد أن المعول عليه هو فضل الله وكرمه لا جهد الإنسان، وأن تهيئة الكون بالطاعات هي رسالة حب من الخالق تدعو المخلوق إلى الإقبال عليه بلا حول منه ولا قوة إلا به.
