ميزان القبول: آفة العُجب وكيف تتخفى حظوظ النفس في الطاعات
«إِنَّمَا أَتَقَبَّلُ الصَّلَاةَ مِمَّنْ تَوَاضَعَ بِهَا لِعَظَمَتِي، وَلَمْ يَسْتَطِلْ عَلَى خَلْقِي، وَلَمْ يَبِتْ مُصِرًّا عَلَى مَعْصِيَتِي، وَقَطَعَ النَّهَارَ فِي ذِكْرِي، وَرَحِمَ الْمِسْكِينَ، وَابْنَ السَّبِيلِ، وَالْأَرْمَلَةَ، وَالْمُصَابَ»
ميزان القبول: آفة العُجب وكيف تتخفى حظوظ النفس في الطاعات
سياق الشرح
أورده الشيخ ليضع حداً فاصلاً بين إتقان شروط "صحة" العبادة الظاهرة، وبين تحقيق شروط "قبولها" الباطنة، محذراً بقوة من داء الكبر وحظ النفس الذي يفسد الطاعات.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مصححاً لفهم خاطئ ومحذراً من مزالق الطريق: يا ولدي، كم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر، وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع! إن شروط "صحة" العبادة يفتي بها الفقيه من وضوء وحركات، أما شروط "القبول" فمدارها على سلامة القلب والافتقار إلى الرب. وقد استند الشيخ في بيانه إلى قوله تعالى ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، ليؤسس لمعنى دقيق يهتز له وجدان السالكين؛ وهو أن العبد يكون عند طاعته لله أحوج وأرجى لطلب العفو منه عند مقارفته للمعصية! قد تتعجب يا ولدي وتقول: كيف أستغفر من الطاعة؟ فيجيبك الشيخ بطب القلوب: "لأن حظ النفس في المعصية جلي، وحظ النفس في الطاعة خفي، وما خفي أعظم". فالعاصي منكسر الرأس، يعلم ذنبه، ونفسه ذليلة، والذل باب من أبواب الوصول. أما المطيع الذي تصدق أو قام الليل، فقد يداخله داء "العُجب"، فيرى نفسه بعين الاستحسان، وينظر للعصاة بعين الاحتقار. ولذلك جاء هذا الحديث القدسي كالمشرط الذي يستأصل ورم الكبر؛ فالله لا يقبل الصلاة إلا ممن "تواضع بها لعظمته"، فلا يرى لنفسه فضلاً، ثم "لم يستطل بها على خلقه"، فلا يعلو بها تكبراً على عباد الله. وهذا الانتقال البديع في الشرح يأخذنا إلى الثمرة العملية للقبول؛ فالعبادة لا تنتهي على سجادة الصلاة، بل تمتد لتكون نوراً يسري في المجتمع: "وقطع النهار في ذكري، ورحم الأرملة والمسكين". ولا كيف تُقبل صلاة قاسية صاحبها يستعلي على الخلق ولا يرحم ضعفائهم؟ إن الإنابة التي يقصدها الشيخ هي أن تخرج من حولك وقوتك وطاعتك، لتلقي بنفسك في بحر فضل الله ومحض رحمته. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن إتقان قوالب العبادة لا يغني عن إخلاص القلوب، وأن أعظم الآفات التي تحبط العمل هي رؤية النفس والاستطالة على الخلق، وأن القبول مرهون بالذل لله والرحمة بعباده.
