مقام الصفح الجميل: رحلة القلب من ضيق الملحمة إلى سعة المرحمة
«اليوم يوم المرحمة»
مقام الصفح الجميل: رحلة القلب من ضيق الملحمة إلى سعة المرحمة
سياق الشرح
جاء استشهاد الشيخ بهذا الحديث النبوي الشريف في سياق مواساة القلوب المنكسرة وتوجيه المظلومين إلى أن أعلى درجات النصر والجبر لا تكون بالانتقام، بل بالارتقاء إلى مقام التسامح المحمدي.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مؤسساً لمعنى جليل ومبيناً أسرار العفو المحمدي: يا ولدي، إن الله سبحانه وتعالى حين يعزي العبد المظلوم والمنكسر، يفتح له أبواب الكمال الروحي ليرتقي من حظوظ النفس إلى سعة الروح. ولنا في رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة والقدوة العظمى؛ فلقد أوذي الحبيب ﷺ في مكة أشد الإيذاء، وكذبوه، وضربوه، وطردوه، وتجرأوا عليه فقالوا ""ساحر""، وقالوا ""أبتر"". ورغم كل هذه الجراح والمظالم التي تئن منها الجبال، أنزل الله عليه قرآناً يربيه ويواسيه قائلاً: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾. وهنا يا ولدي لابد أن نقف وقفة تأمل واستنباط؛ فلم يقل الجليل لنبيه ""فاصفح"" فحسب، ولو فعل لكان عفواً محموداً، بل وصف الصفح بأنه ""جميل"". والصفح الجميل، كما يشير الشيخ، هو الذي لا عتاب فيه ولا تذكير بالذنب ولا ضغينة، بل هو عين المغفرة النابعة من قلب قد مُلئ بنور الله ورضاه. وتأمل كيف تجلى هذا المقام العالي يوم الفتح الأعظم، حين دخل النبي ﷺ مكة منتصراً، وقد ظن بعض أصحابه ممن غلبتهم حماسة البشرية وحظوظ النفس الانتقامية أن وقت القصاص قد حان، فهتفوا قائلين: ""اليوم يوم الملحمة""، أي يوم الانتقام وسفك الدماء لاسترداد الحقوق. فما كان من المبعوث رحمة للعالمين إلا أن صحح هذا الفهم القاصر، وأشرق بنور الحقيقة المحمدية قائلاً: «لا، اليوم يوم المرحمة». فانظر يا ولدي وتدبر الدقة النبوية البليغة؛ إن النبي ﷺ لم يستعمل لفظاً يشير إلى مجرد ترك العقاب كأن يقول ""اليوم يوم العفو"" أو ""اليوم يوم المسامحة""، بل استخدم لفظ ""المرحمة"". وذلك لأن العفو قد يكون فيه ترك للمؤاخذة مع بقاء الجفاء، أما المرحمة فهي تقتضي الشفقة على الظالم المخطئ، والنظر إليه بعين العطف والمحبة لا بعين التشفي. وكيف لا يفيض قلبه بالمرحمة وهو الذي يتلقى الجبر والعزاء من ربه؟ وإلا كيف يكون الصفح جميلاً إن لم يثمر في القلب رحمة للعالمين؟ وبهذا الانتقال السلس من العفو الظاهر إلى الرحمة الباطنة، ندرك كيف يتربى السالك على موائد الصالحين. فإذا ظلمك أحد يا ولدي، إياك أن تقف عند حدود حظوظ النفس، بل اقرأ الفاتحة وقل كما وجه الشيخ: ""رب أنا رضيت بعطيتك"". وتخلق بأخلاق الأولياء العارفين الذين ينظرون إلى الأفعال كلها من الله؛ فهم يتساءلون: من الذي أذن لهذا الظالم أن يظلمني؟ إنه الله. ولماذا؟ لكي يرفعني إلى دوائر الاصطفاء ويعديني من غير حساب، حيث ينادى في الملأ الأعلى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. ولهذا المعنى العميق، استنبط سيدي الإمام عبد القادر الجيلاني (المتوفى سنة 561 هـ، سلطان الأولياء وتاج العارفين) هذا المشرب الصافي حين قال: ""من أحبنا فهو لنا، ومن لم يحبنا فنحن له"". فالعارف يا ولدي طبيب يداوي جراح مبغضيه برحمته، ولا ينزل إلى ساحة الخصومة، بل يجعل صدره جنة بستانها كلام الله، فلا تصل إليها نيران الحاقدين. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن ذروة الانتصار على الخصوم ليست بكسرهم والانتقام منهم، بل بجبرهم بالرحمة، وأن التخلق بـ "الصفح الجميل" هو البوابة الكبرى التي يعبر منها السالك من ضيق المظالم إلى سعة العطاء الإلهي المفتوح بغير حساب.
