طواف القلوب في محراب الإنسانية: من جبر الخواطر إلى رؤية المختار
«أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ شَهْرًا، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يُثْبِتَهَا لَهُ، أَثْبَتَ اللَّهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الْأَقْدَامُ»
طواف القلوب في محراب الإنسانية: من جبر الخواطر إلى رؤية المختار
سياق الشرح
جاء كلام الشيخ في سياق إيقاظ القلوب من غفلة المادية الطاغية، موذّناً في أرواح السالكين بأن أبواب القرب من الله لا تقتصر على محاريب المساجد، بل تتسع لتشمل ميادين الإنسانية، مواسياً للمهمومين، ومحفزاً للمؤمنين على اتخاذ جبر الخواطر معراجاً للوصول.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث، مؤسساً لمعنى جليل ومصححاً لفهم قاصر حصر العبادة في زوايا المساجد ومحاريب الخلوات: إن طريق الوصول إلى محبة الله عز وجل يمر حتماً عبر بوابة الإحسان إلى خلقه. يا ولدي، لقد ابتدأ النبي ﷺ بتقرير قاعدة كلية ساطعة حين سُئل عن أحب الناس إلى الله، فلم يقل أكثرهم صياماً ولا أطولهم قياماً، بل قال: «أنفعهم للناس». والنفع هنا، كما يشير الشيخ، ليس محصوراً في العطاء المادي الجاف، بل هو طاقة من الرحمة تسري في أوصال المجتمع؛ فكم من روح أرهقتها قسوة الحياة لا تطلب درهماً ولا ديناراً، بل تئن بحثاً عن يد تربت على كتفها، أو وجه يتبسم في ملامحها المنهكة، أو سؤال دافئ عن حالها. ويضرب الشيخ مثالاً يلامس شغاف القلوب: الأبوان الغنيان اللذان لا يحتاجان من ولدهما مالاً، بل يشتاقان لسماع صوته متفقداً: "هل أنت بخير؟". وهنا يتساءل الشيخ في لوعة واستنكار: هل قتلت مادية الحياة ولهثنا وراء سراب الأموال إنسانيتنا الفطرية؟ وكما يقول سيدي ابن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة 709 هـ، تاج العارفين وصاحب الحكم المأثورة): "الأعمال صور قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها"، وسر الإخلاص هنا هو التجرد لإسعاد الخلق لوجه الحق، فسرور تدخله على قلب مسلم هو بمثابة نفخة حياة في روح كادت أن تختنق بغمومها. ثم ينتقل الشيخ في انسياب بديع إلى تفكيك مراتب هذا السرور، فيقف عند لفظة نبوية معجزة، وهي قوله ﷺ: «أو تطرد عنه جوعاً». ويتساءل الشيخ بتعجب بلاغي: "وهو الجوع بيطرد؟". يا لها من إشارة عميقة! فالنبي ﷺ لم يقل "تطعمه"، بل استخدم لفظ "الطرد"، ولا عجب فهذا وحي يوحى؛ إذ إن الجوع ليس مجرد فراغ في المعدة، بل هو وحش كاسر، وهاجس مفاجئ يفترس كرامة الإنسان، ويشوش يقينه، وينهش طمأنينته. فمن يقدم الطعام لمحتاج، إنما يقوم بدور الفارس النبيل الذي يطرد وحشاً ضارياً عن فريسة ضعيفة. وهذا يثبت صحة الاستدلال بأن اختيار الألفاظ النبوية يحمل أبعاداً نفسية وروحية تتجاوز المعنى الظاهر، وإلا كيف يستقيم المعنى دون أن نرى في الجوع عدواً يجب دحره لحماية إيمان العبد وكرامته؟ ومن هذا المعنى المتعلق بصيانة الكرامة، ينسدل الشرح بسلاسة نحو ميدان "المروءة"، حيث يضع النبي ﷺ ميزاناً يدهش العقول: «ولأن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً». تخيل يا ولدي، مجرد "المشي" والخطوات، والسعي في حاجة المسلم، حتى وإن لم تُقضَ تلك الحاجة، أفضل عند الله ورسوله من الانقطاع للعبادة في المسجد النبوي لشهر كامل! لماذا؟ لأن الاعتكاف عبادة قاصرة نفعها يعود على صاحبها، أما السعي في الحوائج فعبادة متعدية، تضمد جراح الأمة وتعمر الأرض. لقد سار معه، وتوسط له، وبذل جاهه و"شفع شفاعة حسنة"، ليؤسس لنا النبي أن المروءة في الإسلام ليست فضيلة تجميلية، بل هي "دين"، وأن الإنسانية "دين"، وأن الأخلاق هي "منتهى الدين". وكما قال الشيخ مؤكداً هذه الحقيقة: "الإسلام رحم الإنسانية ورحمتها". ولا يقف العطاء الإلهي عند هذا الحد، فمن سار في طريق قضاء الحوائج، وتجاوز مرحلة المحاولة إلى مرحلة التثبيت والنجاح، كما في قوله ﷺ: «حتى يثبتها له»، كان الجزاء من جنس العمل، ولكن في يوم تفزع فيه القلوب: «أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام». وكما سار في الدنيا في طريق أخيه لتأمين عثراته، يثبت الله قدمه على الصراط يوم تتساقط الأقدام في الهاوية. ويستدعي الشيخ هنا قصة نبي الله يوسف عليه السلام، وكيف حفظ "سلة الغذاء" لكوكب الأرض خمسة عشر عاماً، ليعلمنا أن الإسلام دعوة للنجاح والإصلاح والعمارة، وأن الولاية الكبرى تتجلى في إنقاذ البشرية وإطعام الجوعى وتدبير شؤون الخلق. ثم يختم الشيخ هذا التجلي الإشاري بمسك الختام، محلقاً في سماء العشق الصوفي بأبيات ترقص لها الأرواح: "إذا لم أكن في ساحة البيت طائفاً.. أطوف على الفقراء لأجمع زادي. وإن لم أكن في روضة الحب هائماً.. أسبح بالصدقات أرد ودادي". إنها رسالة لكل مشتاق لم يكتب له الطواف بالبيت العتيق؛ طُف حول بيوت الفقراء، وتلمس حاجاتهم. وهناك من يسعى للقاء النبي ﷺ بالصلاة والصيام، ولكن هناك صنفاً آخر من العشاق، تبات أرواحهم على الشوق وهم منشغلون طوال نهارهم في "خدمة المسلمين"، فما يكون الجزاء؟ "يجيها النبي في النوم.. صلى عليه الله". فرؤية المصطفى ﷺ ليست حكراً على أصحاب الخلوات، بل هي منحة تتنزل على من اتخذ من الإنسانية محراباً، وجعل من السعي في قضاء حوائج الناس معتكفاً لروحه. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن أعظم درجات القرب من الله والرسول لا تُنال بالانعزال، بل بالانغماس في آلام الناس وجبر خواطرهم، وأن خطوات المروءة التي تسعى في قضاء حوائج الملهوفين هي ذات الخطوات التي تثبت على الصراط، وهي المعراج الروحي الأصدق لرؤية الحبيب المصطفى ﷺ في الدنيا والآخرة.
