الحياة البرزخية الأكمل: أسرار السماع الحسي ورد السلام المحمدي
«إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أَرَمْتَ؟ قال: إن الله عز وجل حرم على الأرض أجساد الأنبياء»
الحياة البرزخية الأكمل: أسرار السماع الحسي ورد السلام المحمدي
سياق الشرح
يستشهد الشيخ بهذا الحديث ليدحض الشكوك التي تعتري العقول القاصرة حول كيفية وصول السلام للنبي، مقرراً حقيقة السماع الحسي للأنبياء في برزخهم وأنهم أحياء حياة كاملة لا يعتريها فناء.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث كاشفاً عن الخريطة الروحية لاتصال الأمة بنبيها في برزخه الشريف: يا ولدي، قد يتساءل العقل المادي كما تساءل بعض الصحابة استغراباً لا إنكاراً: وكيف تبلغك صلاتنا وقد أَرَمْتَ؟ أي بليت جسداً؟ فجاء الرد القاطع المبين الذي أخرجه الإمام ابن ماجه القزويني (المتوفى سنة 273 هـ، الحافظ الكبير صاحب السنن): «إن الله عز وجل حرم على الأرض أجساد الأنبياء». وهنا يغوص الشيخ في عمق الإشارة؛ فتبليغ الملائكة للسلام حق لا ريب فيه، ولكن لماذا أعقب النبي ذلك بالحديث عن الجسد وتحريمه على الأرض؟ السر هنا يا ولدي هو إثبات ""السماع الحسي لا المعنوي فقط"". وهذا يؤكد ما أصله الشيخ سابقاً في شرح الحديث الأول من صدق التلاقي الروحاني؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يزال في تربته الشريفة يسمع بأذنه المنيفة سماعاً حسياً دقيقاً، تماماً كما كان يسمع في عالم الدنيا. وكيف لا يكون كذلك وقد وصفه ربه بقوله: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾؟ فهو يسمع سلامك بالسمع الملموس، ويرد عليك التحية باللسان الملموس الحسي والمعنوي معاً، لأن الحياة البرزخية للأنبياء هي حياة أكمل وأصفى من حياة الدنيا، وقد أقر ذلك أئمة الفن كالإمام جلال الدين السيوطي (المتوفى سنة 911 هـ، الحافظ المتبحر) في رسائله حول حياة الأنبياء. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن البرزخ لا يمثل حجاباً يمنع المصطفى من تفقد أمته، بل هو مقام أرقى تتجلى فيه خصوصية السماع الحسي والرد المباشر، لتبقى حبال الود موصولة، وأرواح المحبين في كنف العناية المحمدية الدائمة.
