تصفية الأسماع القالبية والقلبية لتلقي نداءات الغيب
«وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ»
تصفية الأسماع القالبية والقلبية لتلقي نداءات الغيب
سياق الشرح
أورد الشيخ هذا الحديث في سياق تنبيه الغافلين إلى ضرورة تطهير الجوارح من لغو الكلام والغيبة، لكي تتأهل القلوب والأسماع لتلقي النفحات ونداءات السماء في رمضان.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث موقظاً لطائف الأرواح ومحذراً من غفلة الجوارح: إن السماء تفتح أبوابها في رمضان، وهناك نداءات غيبية علوية تتنزل بالرحمات، ولكن الشيخ يطرح التساؤل الموقظ: "ونادى منادي آخر كيف أسمع؟". يا ولدي، إن الأذن التي أثقلتها ذنوب الدنيا لا تقوى على التقاط ذبذبات الغيب. فالنبي ﷺ يخبرنا أن هناك منادياً ينادي، فما بالنا لا نسمعه؟ يوضح الشيخ الدواء الناجع قائلاً: "فضي ودنك من وقر الغيبة والنميمة"، فكما أصل سيدي الإمام أبو حامد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ، حجة الإسلام وطبيب القلوب) أن القلب كالمرآة، والمعاصي كصدأ يغشاها، فإن الغيبة وقرٌ يسد منافذ الروح. ولتسمع هذا النداء، يوجهنا الشيخ إلى تصفية نوعين من الآذان: "الآذان القالبية" وهي حواس الجسد بصونها عن الحرام، و"الآذان القلبية" وهي سريرة الروح بتفريغها مما سوى الله. ولا يتوقف الشيخ عند التخلية (ترك الذنوب)، بل ينتقل بانسيابية مبهرة إلى التحلية (فعل الطاعات)، فيربط بين صفاء السمع وبين البذل، موجهاً السالكين: "عشان تسمع اليومين الجايين دول اعملهم صدقة". ثم يفسر المعنى الباطن للنداء بقوله: "ما يقال أقبل معناه أنا عايزك تعال". وهذا يؤكد ما أصله الشيخ سابقاً من أن "فك الكف" بالعطاء، و"كف الفك" عن اللغو، هما مفتاح الدخول إلى هذه الحضرة التي نودي منها. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن نداءات السماء بالخير مبذولةٌ في كل ليلة، ولكنها لا تطرق إلا الأسماع التي تطهرت من وقر الغيبة، والقلوب التي تزكت ببذل الصدقات، فبقدر التصفية يكون السماع، وبقدر العطاء يكون التجلي والقبول.
