سورة الإخلاص.. ماء الحياة وحصن القلوب
«كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلاةِ مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ افْتَتَحَ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ... فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا فُلانُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ؟ وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا. فَقَالَ: حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ»
سورة الإخلاص.. ماء الحياة وحصن القلوب
سياق الشرح
ذكره الشيخ للتدليل على أن التعلق القلبي بمعاني سورة الإخلاص يورث الجنة، وأنها كافية لمن أراد أن يصحح توحيده ويصف ربه وصفاً يليق بجلاله.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي
في شرح الحديث مُبيناً سر التعلق بكلام الله ومُصححاً لمسار السالكين: إن هذا الصحابي الجليل قد وقع في أسر المحبة، ولم يلتفت إلى لوم اللائمين حين استغرق قلبه في شهود صفات الجلال والكمال في ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
يا ولدي، إن هذا الحديث يؤكد ما أصله الشيخ سابقاً من أن سورة الإخلاص هي حصن حصين، ومفتاح لكل خير، وترياق لأدواء القلوب.
وقد استدعى الشيخ في هذا المقام قول الإمام الجنيد (ت ٢٩٨ هـ، سيد الطائفتين وإمام العارفين): "من داوم عليها سقطت عنه الأغيار"، وقول الإمام ابن عجيبة (ت ١٢٢٤ هـ، العالم الرباني والمفسر المُقْرىء): "هي ماء الحياة في القلب، لأنها تُعيد إليه فطرته السليمة".
فحب هذا الرجل للسورة لم يكن حباً سطحياً، بل كان حباً لمعاني التنزيه، حباً جعله يعبد الله لله، فلا يرى لنفسه فضلاً، ولا يطلب على طاعته أجراً، ولا يَمُنُّ على ربه بعمل، وهي الأحاسيس الثلاثة التي نص الشيخ على ضرورة استشعارها لمن أراد التداوي بهذه السورة.
هذا هو المحك الحقيقي للإخلاص، أن تتطهر من حظوظ النفس، فكان الجزاء من جنس العمل، أن بشره النبي ﷺ بالجنة، لأن المحب يطير بجناح محبوبه إلى أعلى عليين.
ولأنها السورة التي جمعت "رُبع العقيدة" كما وصفها الشيخ، وصارت لسان حال المحبين إذا ما أرادوا أن يصفوا ربهم بإيجاز مُعجز.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: إن حب صفات الله عز وجل والتعلق بها يورث العبد طهارة في القلب وارتقاءً في المقامات، وأن من استوطن الإخلاص قلبه، فاضت أنواره على جوارحه، فكانت أعماله كلها خالصة مقبولة تُدخله في رياض رضوان الله الأكبر.
