في رحاب "المغفرة المطلقة" وسر التوحيد الجامع
«يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة».
في رحاب "المغفرة المطلقة" وسر التوحيد الجامع
سياق الشرح
استشهد الشيخ بهذا الحديث ليضع قاعدة "الرجاء المحمود" في مواجهة اليأس من الماضي المؤلم، مبيناً أن التوحيد هو الملف الوحيد الذي يرجح كفة العبد عند ربه، مهما تعاظمت زلاته.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مصححاً لمفاهيم الغافلين عن سعة رحمة الله: يا ولدي، تأمل معي دقة الوحي الإلهي في هذا الحديث القدسي، فالله عز وجل لم يقل "إن استغفرتني" كما في الأحاديث السابقة، بل قال "ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً". هنا ندرك مقاماً أعلى من مجرد الاستغفار؛ إنه مقام "الإخلاص في التوحيد". لقد أشار الشيخ إلى أن كلمة "قراب الأرض" ليست مجرد تعبيرٍ عن الكثرة، بل هي إشارة إلى وزنٍ ومساحةٍ من الخطايا، والخطايا هنا ليست مجرد هفوات، بل وصفها الشيخ بـ"المصايب" التي قد يظن العبد أنها لا تُغفر.
إننا نرى في هذا الحديث ميزاناً إلهياً عجيباً، فبينما يأتي العبد بعبء الأرض من الخطايا، يقابله الحق سبحانه "بقرابها مغفرة". ويشير الشيخ هنا إلى لفتة لطيفة؛ فلم يقل الرب "غفرت لك" فحسب، بل قال "لأتيتك"، وفي هذا إشارة إلى مقام القرب والتحفة الإلهية التي تغمر الموحد. وهذا يذكرنا بقول ابن عطاء الله السكندري (المتوفى 709 هـ، وهو الإمام العارف بالله صاحب "الحكم العطائية"): "لا تتوقف عن الإحسان لأجل الإساءة، فما أردت أن تبني بناءك على غير أساس"، فأساس البناء هو التوحيد، فإذا ثبت التوحيد، تهدمت جبال الذنوب. إن التوحيد الذي نقصده هنا، كما يوضح الشيخ، ليس مجرد كلمة على اللسان، بل هو توحيد "تملك قلبه، جعله لا يحب غير الله".
فمن صفا قلبه من أدران الشرك، صفا له وقت اللقاء مع الله، فكانت المغفرة على قدر التوحيد، لا على قدر المعصية. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: إن التوحيد هو "السر الأعظم" الذي يحوّل سواد الذنوب إلى نور مغفرة، فمتى انكسر القلب في مقام التوحيد، تلاشت جبال المعاصي أمام عظمة رحمة الله، ليصبح العبد في حضرة القبول لا في حضرة المحاسبة.
