سر العفو وتخلية الباطن قبل التحلية
«قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي».
سر العفو وتخلية الباطن قبل التحلية
سياق الشرح
يذكر الشيخ هذا الحديث ليضع يدي المريد على أعظم كنز في ليالي رمضان، مبيناً أن الحبيب المصطفى اختصر المطالب كلها في سؤال واحد هو "العفو"، لتتطهر الأرواح قبل أن تتجلى عليها الأنوار
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مؤسساً لمعنى جليل في مقامات السير إلى الله: ويتجلى فقه كلمة «التمسوها» الذي ذكرناه آنفاً بوضوح أعظم، حينما سألت أم المؤمنين وفقيهة نساء الأمة السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق (ت 58هـ)، رضي الله عنها، رسول الله ﷺ عما تقوله إن هي وافقت هذه الليلة، فأجابها بقلب يتسع لأمته قائلًا لها كما أخرج الإمام محمد بن عيسى الترمذي (ت 279هـ، صاحب الجامع الصحيح) في سننه: «قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا». وما مغزى هذا التوجيه يا ولدي؟ فكأنه ﷺ يهمس في روحها الطاهرة وفي أرواحنا جميعاً قائلًا: هل تدركين أعظم ما يُتقرب به إلى الله في ليلة القدر؟ إنها مسألة العفو. وهذا يؤكد ما أصله الشيخ سابقاً في شرح الحديث الأول، فمن تمام الالتماس والتحري أن تكون أنت في ذاتك "عَفُوًّا" عن خلق الله قبل أن تطلب العفو من مولاك. فإن الذنوب أثقال، ولا يمكن للروح أن تحلق في مدارج ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ إلا إذا تخلت عن أحقادها ورغباتها، وطلبت من الله أن يمحو ما سلف، فإذا محا، تجلى وأعطى وتولى.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن ذروة المطالب الروحية ليست في طلب الدنيا، بل في النجاة بطلب العفو والمحو لكل قبيح، وأن الإنسان لا يستحق عفو الله الأكبر إلا إذا تخلق هو بصفة العفو مع عباد الله
