Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/شرح الحديث الشريف/إشارات اليقين في العطايا الثلاث وعقيدة حفظ الجوارح من المعاصى
سنن الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في التوكل واليقين - حديث 2346 - حديث حسنشرح إشاري لحديث الفوز بنعيم الدنيا وأسرار عافية الجوارح والتوكل والرضا بالقوت

إشارات اليقين في العطايا الثلاث وعقيدة حفظ الجوارح من المعاصى

هذا شرح مستفاد من كلام الشيخ في سياق موضوعي موثق.
سنن الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في التوكل واليقين - حديث 2346 - حديث حسنالراوي: عبيد الله بن محصن الأنصاري الخطمي رضي الله عنه
«مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا»

إشارات اليقين في العطايا الثلاث وعقيدة حفظ الجوارح من المعاصى

سياق الشرح

جاء استشهاد الدكتور جابر بغدادي بهذا الحديث في سياق بث الطمأنينة واليقين في نفوس المريدين والسائرين إلى الله، ليوضح لهم حقيقة الغنى الروحي والنعيم الحقيقي الذي يغفل عنه الخلق، وليصحح الفهم المادي القاصر لمعنى "العافية" ويرتقي به إلى معنى الحفظ الرباني للجوارح.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مبدداً غيوم الوهم والقلق التي تعصف بنفوس السائرين إلى الله، ومصححاً لفهم مادي جاف حصر النعمة في مجرد حطام فاني، ليرتقي بالمريدين إلى معارج الفهم الروحي الذوقي الذي يؤسس لعقيدة التوحيد واليقين والتسليم المطلق لمسبب الأسباب. إن المتأمل في كلمات النبوة يرى كيف يتنزل الغنى الحقيقي على قلوب العباد من خلال عطاءات ثلاثة للدين والدنيا؛ الأمان، والقوت، والعافية. تأمل معي بقلب حاضر يا ولدي، كيف اصطفى الحبيب لفظة "العافية" دون غيرها، فلم يقل "صحيحاً في بدنه" ولا "قوياً في صحته"، وما ذاك إلا لسر عظيم أودعه الله في روع نبيه الذي لا ينطق عن الهوى. فالعافية في لغة العرب وحقائق الشريعة هي المعافاة التامة، وأعلى رتبها وأسماها عند السادة العارفين بالله هي معافاة الجوارح والقلب من دنس الذنوب ومعصية رب العالمين. إن عافية البدن الحقيقية ليست في أن تمتلك جسداً معافى من الأمراض والعلل الجسدية فحسب، بل في أن يُحفظ هذا البدن من مقارفة الآثام. فما قيمة الجسد القوي إن كانت يداه تمتد للحرام، وعيناه ترنو إلى الحرام، وقدمه تسعى إلى الحرام؟ والا، كيف يكون العبد حائزاً للدنيا بحذافيرها ونعيمها، وقد باء بسخط مولاه بارتكاب المعاصي؟ فالعافية الحقة هي حفظ الجوارح للحبيبﷻ وتطهيرها من دنس المخالفة، لتمر عليك الأربع والعشرون ساعة ويدك لم تمتد لسوء، وعينك لم تلحظ خبثاً. إن من يقيس النعمة بفتل العضلات، واستعراض القوة، والبطش بضعفاء الخلق، ظاناً أن تلك هي الصحة والقوة، يقع في جهل عظيم؛ إذ إن هذا المستقوي ببدنه على عباد الله، المتجبر على ثلاثة أو أربعة من المستضعفين، هو أفقر الخلق وأحقرهم عند الله تعالى، لأنه لم يعظم أمر الله وشعائره. وبقدر ما يهون عليك أمر الله، يهون وزنك وقدرك في ملكوته. وإذا استقرت في روحك يا ولدي حقيقة العافية، وحُفظت جوارحك لحضرة الحبيب ﷻ، يسوقك هذا الحفظ مباشرة إلى كمال اليقين والرضا بما قسمه الرزاق، لتتأمل الإشارة الثانية في قوله : «عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ». وهنا يتجلى كمال التوكل واليقين في اسمي الله "الرزاق" و"الكافي". فالنبي يعلمنا ألا ينهش قلبنا القلق على غدنا ما دمنا نملك كفاية يومنا. غير أن هذا الفهم الروحي الراقي يستلزم منا أخذ الحيطة والتدبر العقدي الحاسم؛ لئلا تزل قدم في مهواة "العقيدة الجبرية الباطلة" التي تدعو إلى التكاسل عن السعي وتعطيل الأسباب بذريعة التوكل. كلا يا ولدي! إن عقيدة أهل السنة والجماعة تقضي بأن السعي بالأبدان والجوارح واجب وامتثال لأمر الله، بينما التوكل والسكون بالأفئدة والقلوب يقين بمسبب الأسباب ﷻ. إنك تسعى في طلب الرزق كأنك لا تملك غير السعي، ولكن قلبك يمتلئ طمأنينة برزق الغد كأنه يرى الرزاق عياناً، مستنداً إلى قوله جل وعلا في محكم التنزيل: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [سورة هود، الآية: 6]. فمن فتح خزانته اليوم فوجد فيها ما يقيم أوده وأود عياله فليطمئن، ولا يشغل باله بـ"شبعة غد"، فإن للغد رباً تكفل برزقه. ولا تكتمل دائرة هذا اليقين في قلبك يا ولدي إلا بنعمة ثالثة هي الحصن الحصين، ورباط المحبين، ألا وهي أمن السرب في قوله : «آمِنًا فِي سِرْبِهِ». وإن لسرب العبد معنيين؛ عام وهو أمن بيته وأهله من الفزع والعدوان، وخاص إشاري وهو أمن طريق العبد وسيره إلى الله عز وجل. فالسائر إلى الله تعالى يشهد نعمة أمن السرب حين يجد سبيله ميسراً ممهداً من بيته إلى المسجد، أو من داره إلى مجلس شيخه ومجالس العلم والذكر دون عائق أو قاطع يقطعه عن حضرة مولاه. إن هذه النعم الثلاث تقتضي منا الافتقار التام والاعتراف بضعفنا البشري، لنتضرع كما تضرع العارفون: "اللهم كل قوت رزقتنا إياه فاجعله زاداً نقتات به على طاعتك، واستعملنا به فيما يرضيك، ولا تسلبنا النعم، فأنت الله الذي لا تُغير عوائدك الجليلة". ومن عظيم ذوق السادة الصوفية أنهم يقابلون أوصاف النقص البشرية بأوصاف الكمال الإلهية، كما علمنا إمام الطريقة العارف بالله تاج الدين الإمام ابن عطاء الله السكندري (ت: 709 هـ)⁽¹⁾ في حكمه الباهرة؛ إذ نقف بباب الله منكسرين بذنوبنا قائلين: "أنا المذنب.. وهو الغافر، أنا المجرم.. وهو الراحم، أنا العاصي.. وهو الكافي". ثلاثة من أوصاف نقصنا نواجه بها ثلاثة من أوصاف كماله وجماله، ولتغلبن حتماً أوصافه سبحانه أوصافنا، فإنه الكريم الودود الذي يتودد لعباده بالنعم ويرعاهم بالعافية الحقيقية التي تحفظ جوارحهم وأرواحهم في كنف طاعته. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن الغنى الحقيقي ليس بحشد الأموال والجاه، وإنما بطمأنينة القلب للرزاق، وبأمن الطريق الموصل إلى طاعة الله، وبعافية الجوارح التي تستعمل في مرضاة المحبوب ﷻ دون سواه.

ويمكنك مشاهدة الفيديو بالكامل من هنا

إشارات اليقين في العطايا الثلاث وعقيدة حفظ الجوارح من المعاصى | شرح الحديث الشريف | الشيخ جابر بغدادي