محراب المخمصة.. أدب المواساة المحمدية في شدة الابتلاء
عن أبي طلحة رضي الله عنه قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع، فرفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله ﷺ عن بطنه عن حجرين».
محراب المخمصة.. أدب المواساة المحمدية في شدة الابتلاء
سياق الشرح
ساقه الشيخ مصوراً حال النبي ﷺ في صلاته وتعبده، مبيناً كيف كان يكبح ألم الجوع ليتفرغ لمناجاة ربه.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مبرزاً أدب المواساة في القيادة النبوية: إن هذا الأثر الشريف يجسد أرفع معاني "التضامن الروحي والجسدي" بين المتبوع وأتباعه.
وتأمل يا ولدي في هذا المشهد المؤثر؛ فالصحابة الكرام يأتون إلى رسول الله ﷺ يشكون ألم المخمصة، ويرفعون أزرهم عن حجرٍ واحدٍ ربطوه على بطونهم ليعينهم على اعتدال القامة وتسكين الجوع، فإذا بالحبيب المصطفى ﷺ يكشف عن بطنه الشريفة ليريهم "حجرين" مربوطين بعصابةٍ وحزام، فكأنه يقول لهم: إن تضررتم بجزءٍ من البلاء، فقد أخذت نصيبي ونصيبكم منه.
وإذا تأملت يا بني في لسان الشريعة، تجد النبي ﷺ لم يستعمل سلطانه الروحي في طلب مائدةٍ من السماء كما طلبت بنو إسرائيل، مع أنه أكرم على الله من كل نبي؛ وذلك لأن الجوع هنا لم يكن عقوبةً، بل كان "مَجلىً من مجالي الاصطفاء".
فالجسد إذا جاع، صفا الدم، ورق القلب، وانفتحت للروح مسالك المناجاة.
وقد ربط الشيخ جابر هذا المشهد بحالة الصلاة، مبيناً أنه ﷺ كان يشد الحجر على بطنه لكيلا يقطعه صراخ الأمعاء عن الالتذاذ بمخاطبة ربه في المحراب.
وينسدل هذا المعنى بانسيابيةٍ تامةٍ ليعلمنا "فقه التعامل مع المفقود"، فالعبد الصادق لا يجعل الشبع شرطاً لرضاه عن الله، بل يرى في الجوع والمنع رسالةَ حبٍ إلهيةٍ تفطمه عن شهوات الطين.
وهذا يؤكد ما أصله الشيخ سابقاً في شرح حديث مفاتيح خزائن الأرض، ويطابق ما قرره سيدي أبو القاسم القشيري (ت: 465 هـ، الإمام الجامع بين الشريعة والحقيقة) في «الرسالة القشيرية» مبيناً أن "الجوع طعام الله الذي يطعم به أبدان الصديقين".
فكيف يتسخط مؤمنٌ على قلة الرزق، وقد رأى إمامه وقدوته يطوي الأيام صابراً محتسباً؟
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن القائد الرباني هو من يتقدم قومه في المكاره ويواسيهم بنفسه، وأن كبح شهوة البطن بالصبر هو من أقوى أسباب تصفية السريرة وتنوير البصيرة.
