نداء الجواد ومفاتيح البصيرة في ليالي العتق من النيران
«إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ»
أسرار التصفيد وتجليات الرحمة في التضعيف اللغوي لإغلاق النيران
سياق الشرح
جاء هذا الاستشهاد النبوي في معرض توجيه الشيخ وتنبيهه لقلوب الغافلين في الليلة الأولى من رمضان، محذراً من إضاعة الفرصة الربانية وإهمال الجود الإلهي ومشدداً على سرعة التوبة.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث الشريف، مؤسساً لفهم عميق في تلقي النفحات الإلهية: اعلم يا ولدي أن النبي ﷺ أوتي جوامع الكلم، فكل حرف ينطق به هو مفتاح لكنز من كنوز المعرفة وعلم السلوك. وتأمل معي دقة اللفظ النبوي في قوله: «وغُلِّقت أبواب النار»؛ فهو لم يقل "أُغلقت"، بل شدد اللام وضعفها فقال: "غُلِّقت". والمبالغة في الحرف هنا إنما هي مبالغة في العطف والرحمة الربانية، ليؤكد لك أن الحق سبحانه وتعالى قد أحكم إغلاق النيران من أجلك، لتكون لك ثلاثون يوماً فرصة للتوبة الخالصة، حتى وإن زلت بك القدم تجد الباب موصداً. فإذا كان الله بفضله قد أغلق عنك باب جهنم، فكيف تذهب أنت بيدك ورعونة نفسك لتفتحه عليها بسوء صنيعك؟ ويسترسل الشيخ في بيان المعاني السلوكية، موضحاً أن قوله ﷺ: «وصُفدت الشياطين ومردة الجن» -كما أخرجه الإمام الترمذي (ت: 279 هـ، إمام الحفاظ وصاحب الجامع)- يعني تكتيف أيديهم وأرجلهم، لتخلو الساحة بينك وبين ربك. فالتصفيد هنا تنزيه للميدان ليكون العمل خالصاً. وإذا تساءلت يا ولدي: من أين تأتي المعصية والشياطين مصفدة؟ فالجواب أنها تأتي من النفس الأمارة. ولا عجب، فبعد كل هذا التيسير وإغلاق منافذ الشر، هل يليق بنا أن نعرض عن الإقبال؟ ألا نبادل هذا الجود العظيم بالشكر العملي؟ وكيف نواجه هذا الكرم؟ إن الشكر هنا يكون بالانقطاع عن الملهيات، فتقفل شاشات الهواتف والتلفاز التي تشتت القلب، وتخرج سبحتك ومصحفك، لتهيئ باطنك لاستمداد الأنوار في هذا الشهر الكريم من تجلي اسم الله "الجواد". فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن إغلاق أبواب النار وتصفيد الشياطين هو محض جود إلهي يهيئ السالك للترقي، وأن من تمام الشكر إغلاق منافذ الغفلة الحسية بالابتعاد عن الملهيات للتعرض للرحمات.
«وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلَّ لَيْلَةٍ»
نداء الجواد ومفاتيح البصيرة في ليالي العتق من النيران
سياق الشرح
ساقه الشيخ في سياق الحث على الاستجابة القلبية لنداء السماء، ومواساة السائرين بأن العطاء الإلهي يسبق العمل بمحض الجود والكرم في ليالي رمضان.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث الشريف، مبرزاً سر الاستجابة لنداء السماء وصفاء السريرة: إن من أعظم تجليات اسم الله "الجواد" أن العطايا والمنح تبدأ قبل أن يقدم العبد أي عمل. فما إن يهل الهلال، ولم نصم بعد ولم نقم، حتى يأمر الحق سبحانه منادياً من قِبَله فينادي: «يا باغي الخير أقبل». وهذا النداء العلوي يتردد في الآفاق، لكنه يتطلب من العبد آذان قلوب صاغية لتلتقطه. وهنا يشير الشيخ بإشارة ذوقية بليغة إلى حال أهل الزمان الأول، وكيف كانت الشوارع والبيوت تستنير بالفرحة وخروج الأطفال بالفوانيس؛ ليعللنا بأن السر لم يكن في الأضواء الحسية، بل لأن تلك النفوس كانت طاهرة، لا تقتات إلا على الحلال، ولا تتجرأ على محارم الله، فصفت بصائرهم واستشعروا هذا النداء السماوي في أعماق أرواحهم. ويؤكد هذا المعنى الجلي ما أصله الشيخ سابقاً في شرح الحديث الأول الخاص بتصفيد الشياطين؛ فبعد أن ارتفع حاجب الغواية، جاء دور الإقبال القلبي. ويتساءل الشيخ في لفتة تربوية عميقة: "الإقبال سيكون على مَن؟". ليعلمنا أنك يا ولدي إذا صح إقبالك وصدقت نيتك من أول ليلة، صح لك القبول في سائر الشهر. فالله الجواد يعتق الرقاب بمحض فضله كما أخبر الصادق المصدوق: «ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة». فلا تظن يا ولدي أن العتق ثمن لعملك أو صيامك، بل هو محض جود من ربك، وما عملك إلا علامة على صحة توجهك وافتقارك في ساحته. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن النداء الرباني "يا باغي الخير أقبل" هو دعوة لشهود كرم الله الذي يسبق العمل، وأن أكل الحلال وطهارة القلب هما مفتاح سماع نداءات الغيب ونيل جوائز العتق المستمرة في كل ليلة.
