المحمية الكونية وتجليات الجود الإلهي في رمضان
«أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ»
المحمية الكونية وتجليات الجود الإلهي في رمضان
سياق الشرح
ذكره الشيخ في سياق بيان فضل الله على عباده الضعفاء، حيث يهيئ لهم بيئة روحية آمنة تعينهم على مجاهدة النفس وتخطي "الحجاب الحاجز" للوصول إلى معية الحق جل جلاله.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مبرزاً لمعنى جليل في الرعاية الإلهية: يا ولدي، إن المتأمل في هذا العطاء النبوي كما أخرجه الإمام النسائي في سننه (كتاب الصيام، حديث رقم ٢١٠٦)، يدرك أن النبي ﷺ لا يزف إلينا مجرد خبر بدخول شهر من شهور العام، بل يزف إلينا بشارة الدخول في "محمية كونية" دبرها الحق سبحانه بفيض رحمته.
إن تفتيح أبواب الجنان وتغليق أبواب الجحيم وتصفيد الشياطين ليس حدثاً غيبياً معزولاً عن واقع السالك، بل هو تجلٍّ مباشر لاسم الله "الجواد".
وكأن الشيخ يضع أيدينا على حقيقة كبرى قررها سيدي حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي (المتوفى سنة ٥٠٥ هـ، محيي علوم الدين)، حين بين أن الطاعات تثقل على النفس الأمارة بسطوة الشياطين، فإذا ما غُلّت الشياطين، خفت الأرواح وتهيأت للوصول.
ولكي نفهم مراد الشيخ بدقة، علينا أن نربط هذا بحديثه السابق عن "النفس"؛ فلقد ذكر الشيخ أن عقبة الوصول إلى الله ليست في بُعد المسافة، فالله أقرب إلينا من حبل الوريد، بل العقبة هي "الحجاب الحاجز" الذي تصنعه النفس.
ولما كان العبد ضعيفاً بطبعه، منَّ الله عليه بهذا الشهر المبارك ليعزله عن المشوشات الخارجية المتمثلة في مردة الشياطين.
وهنا تتجلى البلاغة المحمدية؛ فالنبي ﷺ لم يقل مجرد "تُمنع الشياطين"، بل استخدم أبلغ الألفاظ «وتُغَلُّ»، أي تُقيد بالأغلال، ليكون العبد في خلوة آمنة مع ربه، فلا يبقى بينه وبين الله إلا أن يزيل حجاب نفسه.
وإلا كيف تُفتح أبواب الجنان والقلب لا يزال مغلقاً بأقفال الغفلة؟ إن اسم الله الجواد قد تجلى ليرفع الموانع، فبقي على العبد أن يصدق في الطلب.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن شهر رمضان هو تهيئة ربانية ومحمية روحية تُسلب فيها قوة الشياطين وتُفتح فيها أبواب الرحمات، ليتفرغ السالك لمجاهدة نفسه ورفع "الحجاب الحاجز" عن قلبه، فينال شرف المعية الإلهية.
