Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/شرح الحديث الشريف/أسرار تنزل السكينة الملكوتية: كرامات الأولياء وشروط تلاوة القرآن عند الدكتور جابر بغدادي
صحيح البخاري - حديث 5011 - متفق عليهتزكية

أسرار تنزل السكينة الملكوتية: كرامات الأولياء وشروط تلاوة القرآن عند الدكتور جابر بغدادي

هذا شرح مستفاد من كلام الشيخ في سياق موضوعي موثق.
صحيح البخاري - حديث 5011 - متفق عليهالراوي: البراء بن عازب وأسيد بن حضير رضي الله عنهم
عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: «قَرَأَ رَجُلٌ سُورَةَ الكَهْفِ، وَفِي الدَّارِ دَابَّةٌ، فَجَعَلَتْ تَنْفِرُ، فَنَظَرَ فَإِذَا ضَبَابَةٌ أَوْ سَحَابَةٌ قَدْ غَشِيَتْهُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: اقْرَأْ فُلانُ، فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ عِنْدَ القُرْآنِ، أَوْ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ». وفي الرواية المفصلة عن أسيد بن حضير رضي الله عنه قال: «بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ البَقَرَةِ، وَفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ عِنْدَهُ، إِذْ جَالَتِ الفَرَسُ فَسَكَتَ فَسَكَتَتْ، فَقَرَأَ فَجَالَتِ الفَرَسُ، فَسَكَتَ وَسَكَتَتِ الفَرَسُ، ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الفَرَسُ فَانْصَرَفَ، وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا، شَفِقَ أَنْ تُصِيبَهُ، فَلَمَّا أَخَذَهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، حَتَّى مَا يَرَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ، اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ، قَالَ: فَأَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى، وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ المَصَابِيحِ، فَخَرَجَتْ حَتَّى لا أَرَاهَا، قَالَ: وَتَدْرِي مَا ذَاكَ؟ قَالَ: لا، قَالَ: تِلْكَ المَلائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرأْتَ لأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا، لا تَتَوَارَى مِنْهُمْ».
٢ / ٣

أسرار تنزل السكينة الملكوتية: كرامات الأولياء وشروط تلاوة القرآن عند الدكتور جابر بغدادي

سياق الشرح

استشهد فضيلة الدكتور جابر بغدادي بهذا الحديث الشريف في سياق إثبات كرامات الأولياء والصالحين وبيان فضل قراءة القرآن في البيوت، ليتخذ منه منطلقاً تربوياً يسأل من خلاله المريد: لماذا تتنزل السكينة وتظلل السحابة بيوت الصحابة حين يقرؤون القرآن، بينما نقرأ نحن سورة الكهف فلا نرى إلا الوحشة؟ ليؤكد أن السر يكمن في طهارة الوعاء ومحل التلاوة.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مبرزاً المعنى الجليل لعقيدة الإيمان بكرامات الأولياء ومؤسساً لقاعدة التلازم بين تصفية الباطن وتنزّل الرحمات: إن سيدنا أُسيد بن حُضير رضي الله عنه حين كان يقرأ القرآن في جوف الليل، لم يكن يتلو بأحرف لسانية مجردة، بل كان يتلو بقلب حاضر وسريرة طاهرة خلت من الأغيار؛ فلما صفا المحل، تنزلت "السكينة" في صورة سحابة نورانية فيها أمثال المصابيح، حتى رأى ملائكة الرحمن عياناً! ويؤكد الشيخ أن إقرار الصادق المصدوق لهذا المشهد العظيم بقوله: «تِلْكَ المَلائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ» هو حجة قاطعة لا لبس فيها عند أهل السنة والجماعة على إثبات كرامات الأولياء والصالحين الممتدة في أمة محمد إلى يوم الدين؛ فالنبي لم ينكر خرق العادة، بل علقه بصفاء التلاوة والطهر.
تأمل معي يا ولدي بنور البصيرة، كيف يستدل الشيخ جابر بغدادي باللغة النبوية الشريفة ليؤكد صحة المعنى العرفاني؛ فالنبي لم يقل "تلك السحابة"، بل قال في رواية الإمام البخاري (كتاب فضائل القرآن، باب فضل سورة الكهف، رقم 5011): «فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ»، وفي رواية الإمام مسلم (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، رقم 796): «تِلْكَ المَلائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ».
ولا عجب في هذا البيان المعجز؛ فإن لفظ "السكينة" في لسان الشرع يعبر عن الطمأنينة والنور والوقار الذي يلقيه الله في قلوب أوليائه، فلما دنت الملائكة وهم أجسام نورانية طاهرة، جلبت معها السكينة التي تبدد ظلمات القلق والوحشة.
وإلا كيف ينال العبد حقيقة السكينة وقلبه مضطرب بشهوات الدنيا ومكاسب الحرام؟ فبقدر حظك من طهارة السريرة يكون حظك من دنو الملائكة وتنزّل السكينة.
وهنا يربط الشيخ جابر بغدادي ربطاً منهجياً بديعاً بين هذا الحديث الجليل وبين الحديث الآخر الذي سيأتي في شأن امتناع الملائكة عن دخول بيوت فيها كلاب أو صور؛ فيقول لك يا ولدي متسائلاً بلسان الشفقة: "إذا كانت السحابة قد تنزلت لسورة الكهف والبقرة، فلماذا نقرأ نحن القرآن في بيوتنا ولا تتنزل علينا السكينة، بل نرى البيوت ممتلئة بالشياطين والنزاع؟" والجواب عند أهل الله كالإمام أبي القاسم الجنيد البغدادي (ت: 297 هـ، سيد الطائفة وإمام السالكين) أن الإجابة تتطلب وعاءً طاهراً؛ فالقرآن هو القرآن، لكن بيتك وقلبك شُحنا بـ "كلاب" المعاصي وقطع الأرحام، فامتنعت ملائكة السكينة عن الدنو، مصداقاً لما أصله الشيخ من أن الطهر الظاهر والباطن هو المغناطيس الأوحد لجذب أنوار الملكوت.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن كرامات الأولياء وتنزّل ملائكة السكينة بالقرآن حقيقة ثابتة ومستمرة لمن طهر باطنه وظاهره، وأن حرمان البيوت من البركة عند التلاوة إنما يرجع إلى نجاسات الذنوب التي تحجب دنو الكائنات النورانية.

ويمكنك مشاهدة الفيديو بالكامل من هنا