Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/شرح الحديث الشريف/إشرافات الإيمان والاحتساب: من طلب الأجر إلى شهود العجز عن الشكر
صحيح البخاري - حديث 38 - متفق عليهتزكية

إشرافات الإيمان والاحتساب: من طلب الأجر إلى شهود العجز عن الشكر

هذا شرح مستفاد من كلام الشيخ في سياق موضوعي موثق.
صحيح البخاري - حديث 38 - متفق عليهالراوي: أبو هريرة
«مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»

إشرافات الإيمان والاحتساب: من طلب الأجر إلى شهود العجز عن الشكر

سياق الشرح

جاء استشهاد الشيخ بهذا الحديث العظيم في سياق بيان المتلازمة الروحية بين صيام النهار وقيام الليل، ليرتقي بفهم الصائمين من مجرد أداء الفرض طلباً للثواب، إلى شهود المنة الإلهية والافتقار التام النابع من العجز عن الشكر.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان، باب صوم رمضان احتسابا من الإيمان، برقم (38)، مؤسساً لمعنى جليل في مقامات السير إلى الله: إن المتأمل يا ولدي في أحاديث رمضان الثلاثة: صيام الشهر، وقيامه، وقيام ليلة القدر، يجدها تشترك في سر عظيم وهو "إيماناً واحتساباً"، وتنتهي إلى غاية واحدة وهي "غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه". والصيام والقيام هنا متلازمة نورانية؛ فالعبد يصوم في النهار متشهداً فضل الله عليه الذي وفقه وأعانه، فإذا جنّ عليه الليل أقام صُلبه بين يدي مولاه في القيام ليشكره على نعمة توفيق صيام النهار، فإذا أصبح عاد لصيامه شكراً على توفيق الله له في قيام الليل! وهكذا يتقلب العبد المحب بين مقامات الشكر والعجز، مستشعراً الحياء من ربه، فيستحيي أن يعصيه بجوارح تغذت على موائده، وهذا الحياء هو الذي يورثه المغفرة التامة لما تقدم من الزمان.

ولاحظ يا ولدي كيف أن الصيام والقيام لم يأتيا بمعزل عن بعضهما، وهذا التطابق في السبك النبوي البديع ليس تكراراً، بل تأكيد على أن الله يُعبد بكل ما يُقصد به إليه، فإن فاتك كمال الصيام نهاراً استدركت بالقيام ليلاً، وإن قصرت في قيام الشهر تداركتك ليلة القدر بفضلها. وهذا يؤكد حقيقة الفهم الصوفي أنك لا تعتمد على الكيفية والأهلية في ذاتها، بل تعتمد على صدق القصد إلى الله. ألا ترى كيف أن بلوغ درجة "احتساباً" لا تعني مجرد طلب العوض؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم استخدم لفظة "احتساباً" ولم يقل "طمعاً"؛ لأن الاحتساب فيه معنى التسليم المطلق لفضل الله واليقين في كرمه بلا حول من العبد ولا قوة. فصدق الاستدلال هنا جلي؛ إذ كيف ينال المغفرة التامة من يرى عمله بعين العجب؟ فأسنى معاني الاحتساب هي معافاة القلب من رؤية العمل، وشهود منة الموفق جل جلاله.

وقد قسم الشيخ الناس في مقام "الإيمان والاحتساب" إلى ضربين: الأول هم أهل الظاهر، الذين إيمانهم بالفرض واحتسابهم للأجر الموعود من الله، وهذا مقام كريم. أما الضرب الثاني، وهم أهل العرفان والشهود، فإيمانهم بالفضل الإلهي، واحتسابهم للعجز عن الشكر! ولتوضيح هذا الانتقال العظيم، نجد أن أهل المقامات العالية أدركوا أن كل طاعة هي منّة من الله، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. ولذلك يؤكد الشيخ هذا المعنى الجلي بقوله: "لا تنظر إلى ما منك إليه ولكن أدرك ما منه إليه"، وهو عين ما أشار إليه الإمام ابن عطاء الله السكندري (ت 709 هـ، تاج الدين ولسان الصوفية الأكبر) حين قال: "متى أطلق لسانك بالطلب فاعلم أنه يريد أن يعطيك".

فالله سبحانه وتعالى هو الذي أهّلك للصيام، وهو الذي نسب الفعل إليك تكرماً، ثم أثابك عليه! فأنت تصوم شكراً لإحسانه، وتقف بين يديه عاجزاً عن شكره، وشتان بين من يقف على باب الكريم يطلب الأجر، وبين من يقف منبهراً بجمال العطاء عاجزاً عن الشكر. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن تمام الصيام ليس بالإمساك عن المفطرات فحسب، بل بشهود فضل المُوفِّق سبحانه وتعالى، والانتقال بالقلب من رؤية العمل وطلب العوض عليه، إلى رؤية المنة الإلهية، والتحقق التام بالافتقار والعجز عن أداء شكر نعمته، فبذلك تنال المغفرة الشاملة.

صحيح مسلم - حديث 1079 - متفق عليهالراوي: أبو هريرة
«إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ»

تجليات الكرم الإلهي المسبق: عطايا الوهاب قبل عمل العباد

سياق الشرح

استدعى الشيخ هذا الحديث الجليل في سياق إبراز كرم الله المسبق على عباده، حيث شرع في تهيئة الكون كله لاستقبالهم قبل أن يقدموا عملاً واحداً، وذلك تحفيزاً للقلوب على حب الله والإقبال عليه.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الصيام، باب فضل شهر رمضان، برقم (1079)، مبرزاً معنى مهماً من معاني الوداد الإلهي: إن هذا الحديث يا ولدي يعكس تجليات الكرم الإلهي الصافي على الإنسان قبل أن يتحرك العابد بعبادته، وقبل أن يظمأ الصائم بصيامه! فتأمل عجائب اللطف الرباني؛ فقد قفل لك باب النار، وفتح لك أبواب الجنة، وصفّد لك مردة الشياطين، ونادى مائدة قلبك لتستعد لتجليات القرب. وكل هذا التكريم والتهيئة الكونية الكبرى وقعت والإنسان لم يفعل شيئاً بعد! فهو لم يصم يوماً واحداً في بداية الشهر، ولم يقم ليلته الأولى بعد، فماذا فعل العبد لينال كل هذه العطايا؟ الإجابة: لا شيء! إنما هو الفضل المحض. فإن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم أدق الألفاظ إذ قال «فُتِّحَتْ» بصيغة التضعيف والمبالغة في الكثرة والسعة، ولم يقل "فُتَحَتْ"، ليدل على عِظَم الاحتفاء وكثرة الأبواب المفتوحة دون حساب للسالكين، وهذا التضعيف اللفظي يقابله تضعيف في الرحمات. فكيف يغيب عن قلبك هذا اليقين في كرمه؟ ألا يؤكد ذلك صدق الاستدلال على عظمة المنة الإلهية المسبقة؟ وإلا كيف ينال العبد هذه المنح والمكرمات التي وسعت السماوات والأرض وهو لم يركع ركعة واحدة بعد في شهر رمضان؟ فأسنى معاني الفضل هنا هو أن الله يكرمك قبل أن تعمل، لكي تعمل محبةً وشوقاً، لا خوفاً وطمعاً. وهذا المعنى يربطنا يقيناً بما قرره الشيخ في الحديث السابق من متلازمة العجز والشكر، فإذا كان العبد يعجز عن شكر التوفيق للطاعة، فكيف يشكر تهيئة الأكوان له؟ وقد نبه العارف بالله الإمام ابن عجيبة (ت 1224 هـ، المفسر الصوفي صاحب البحر المديد) إلى أن الله إذا أحب عبداً هيأ له أسباب الوصال ورفع من طريقه موانع الإقبال. فإغلاق أبواب النار وتصفيد الشياطين هو رفعٌ للموانع والحُجُب، وفتح أبواب الجنة هو بسطٌ لميادين القرب. ثم يتجلى سر الكرم الأعظم حين تعمل، فيشكرك الحق سبحانه على عمل هو الذي أقدرك عليه ووفقك إليه، كما أمر آل داود بالشكر في قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾، فإذا عملت أغفل الطرف عن معونته لك وقال: "وشكرناك"، واسمه الشكور. فأي كرم هذا الذي ينسب إليك الفضل الذي هو في الحقيقة مبتدئه ومنتهاه؟ فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن العطايا الربانية في المواسم الفاضلة تسبق الأعمال الصالحة، تنبيهاً للعبد أن المعول عليه هو فضل الله وكرمه لا جهد الإنسان، وأن تهيئة الكون بالطاعات هي رسالة حب من الخالق تدعو المخلوق إلى الإقبال عليه بلا حول منه ولا قوة إلا به.

ويمكنك مشاهدة الفيديو بالكامل من هنا