السيادة المطلقة.. حقيقة الغنى المحمدي والتحذير من فتنة التنافس
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي ﷺ خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: «إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض -أو مفاتيح الأرض- وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها».
السيادة المطلقة.. حقيقة الغنى المحمدي والتحذير من فتنة التنافس
سياق الشرح
أشار إليه الشيخ بقوله "وهو يملك الدنيا"، ليبرز المفارقة العجيبة بين حيازته المطلقة لخزائن الأرض واختياره للفقر والزهد.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مبرزاً مقام السيادة المحمدية في عالم الأسباب: إن هذا الحديث الشريف يضع الأساس العقدي لِـ "مفهوم المُلك"، فقوله ﷺ: «وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض» هو إخبارٌ بكرامةٍ يقينيةٍ وعطاءٍ إلهيّ لا يحده حصر.
وتأمل يا ولدي كيف عبّر النبي ﷺ بلفظ "المفاتيح"؛ والمفتاح في لغة العرب هو آلة الفتح والطي، فمن حاز المفتاح فقد حاز الخزائن وما فيها، وفي هذا دلالة قاطعة على أن الله تعالى أخضع لحبيبه المصطفى ﷺ نَواصي المادة، وجعله "قاسمَ الأرزاقِ ومَجلى العطاءِ" في كونه، مصداقاً للسر القرآني: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾، ولقوله في الرواية الأخرى: «والله المعطي وأنا القاسم».
وهنا تتجلى يا بني المعجزة السلوكية الكبرى؛ فبالرغم من هذه الحيازة المطلقة، يلتفت النبي ﷺ إلى أصحابه محذراً إياهم من المزلق الأخطر، فيقول: «ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها».
فالتنافس المذموم هنا هو احتراب القلوب على فضول المتاع، وهو الداء الذي يحول الأخوة الإيمانية إلى وحشةٍ وتقاطع.
وإذا ربطت هذا المعنى بحال النبي ﷺ نفسه، يتبين لك أفقٌ من الجلال يبهت العقول؛ فالذي يقول: «أعطيت مفاتيح خزائن الأرض»، هو ذاته الذي يربط الحجر على بطنه من الجوع كما سيأتي بيانه.
وهذا الترابط البديع بين السيادة والتجريد يؤكد ما أصله سيدي الإمام الجنيد البغدادي (ت: 297 هـ، سيد الطائفة وإمام السالكين) حين سُئل عن حقيقة التصوف فقال: "أن تكون مع الله بلا علاقة".
فالنبي ﷺ حاز المفاتيح بيده، لكنه لم يدخلها إلى قلبه؛ ليعلم الأمة أن "الزهد الحقيقي" ليس أن تفتقد الدنيا فتبكي عليها، بل أن تملك الدنيا بحذافيرها ثم تطرحها وراء ظهرك إيثاراً للباقي على الفاني.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن بسط الدنيا على العبد هو اختبارٌ لسريرته، وأن السلامة من فتنتها تكمن في تملكها باليد وتسخيرها في نفع الخلق، مع تنزيه القلب عن التعلق بها.
