Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/شرح الحديث الشريف/المعية الكبرى: سر الباء المحمدية في كفالة الأيتام
صحيح البخاري - حديث 5304 - صحيحسلوك

المعية الكبرى: سر الباء المحمدية في كفالة الأيتام

هذا شرح مستفاد من كلام الشيخ في سياق موضوعي موثق.
سنن الترمذي - حديث 3609 - صحيحالراوي: أبو هريرة (وفي الرواية الأخرى ميسرة الفجر)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى وَجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ؟ قَالَ: «وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ». (وفي رواية ميسرة الفجر: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى كُنْتَ نَبِيًّا؟ قَالَ: «وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ»).

عصمة النور الأول: التجلي الأزلي للنبوة المحمدية قبل طينة آدم

سياق الشرح

جاء استنباط الشيخ لهذا المعنى في سياق تنزيه النبي ﷺ عن طروء الغواية أو الجاهلية عليه في أي مرحلة من مراحل وجوده، مثبتاً أن كماله اللدني كمالٌ ذاتيٌّ مخلوقٌ معه منذ الأزل.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث، مؤسساً لأصلٍ من أصول الاعتقاد الصافي الذي يقطع دابر التشكيك في جناب المصطفى : أمعنِ النظر يا ولدي في هذا السؤال المهيب الذي طرحه الصحابة الكرام: "متى وجبت لك النبوة؟"، وانظر إلى الإجابة المحمدية الكاشفة: «وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ».
فإنك إذا أدركتَ هذا السبق النوري، زال عن عقلك العجبُ حين تسمع قوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾؛ فالضلالُ المنفيُّ عنه هنا ليس منفياً في عالم الشهادة فحسب، بل هو نفيٌ يسري في أطوار الوجود كلها، في الخلق وما قبل الخلق.
ويشرح الشيخ هذا المعنى مبيناً أن الحقيقة المحمدية كانت قائمةً مشهودةً في حضرة الغيب قبل أن تُنفخ الروح في طينة سيدنا آدم عليه السلام.
ولهذا يقرر سيدي الإمام تقي الدين السبكي (ت: 756 هـ، شيخ الإسلام وإمام المحدثين والفقهاء)، في كتابه الفذ "التعظيم والمنة"، أن نبوته في الأزل كانت نبوةً حقيقيةً ذاتَ أحكامٍ وآثار، وليست مجردَ "علمٍ إلهيٍّ بوقوعها في المستقبل" كما يزعم أهل الجفاء؛ إذ لو كان المرادُ مجردَ العلم، لَما كان للنبي خصوصيةٌ على سائر البشر، فكلُّ مخلوقٍ معلومٌ لله قبل خلقه! ولكنَّ مرادَ الحديث: إثباتُ "التعين الروحيِّ الأول"، حيث خلقه اللهُ نوراً، فكان أولَ العابدين وأولَ الساجدين.
ومن هنا يا ولدي، تدرك الربط البديع الذي ساقه الشيخ بين هذا الحديث وبين قوله تعالى في سورة الضحى: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾؛ حيث قدّم "الضحى" (النور) على "الليل" (الظلام)، لأن سيدنا رسول الله نورٌ محضٌ لم تسبقه ظلمةٌ قط.بينما لما تحدث القرآن عن الصدّيق، سيدنا أبو بكر الصديق (ت: 13 هـ، الخليفة الراشد الأول وأفضل الأمة بعد نبيها)، في سورة الليل، قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾، فَقَدَّمَ الليلَ على النهار؛ لأن أبا بكرٍ سبقتْ إسلامَه أنوارَ هدايةٍ طرأت على ظلمة الجاهلية.
أما المصطفى فهو شمسُ الأزل التي وُلدت مكمَّلة، ويؤكد هذا المعنى الجليَّ ما سيأتي في الحديث التالي من تجلي مراتب أسمائه الشريفة.
فإياك يا ولدي أن تلتفت إلى تشغيب بعض المتنطعين الذين يحاولون تضعيف هذه الأحاديث أو تمييع دلالتها؛ فإن أئمة الحفاظ كسيدي الإمام جلال الدين السيوطي (ت: 911 هـ، جبل الحفظ ومجدد القرن التاسع)، قد أثبتوا تواتر معناها.
واعلم أن مَن تنزّهتْ روحه عن الظلمة قبل خلق طينة البشر، فهو في البعثة أبعدُ ما يكون عن طروء الهوى أو الغواية؛ فصار حجةَ الله البالغة، وصار شرعُه هو الميزانَ القسط الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: إثبات السبق الروحي والنوري لسيدنا رسول الله في خطة الإيجاد، وأن نبوته أصلٌ لجميع النبوات، وعصمته الذاتية ممتدةٌ من الأزل إلى الأبد.

صحيح البخاري - حديث 3532 - صحيحالراوي: جبير بن مطعم
عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ لِي أَسْمَاءً: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ».

مقامات الأسماء المحمدية: من "أحمد الأزل" إلى "محمود الشفاعة"

سياق الشرح

تطرق الشيخ لذكر هذه الأسماء الشريفة في سياق تتبع التجليات الروحية للذات النبوية عبر العوالم، مبيناً أن كل اسمٍ يحمل سراً مقامياً يتناسب مع ظرف إيجاده وظهوره.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث، مبرزاً سراً من أسرار التجلي الإلهيِّ في أسمائه الشريفة يخلب ألباب العارفين: اعلم يا ولدي أن الأسماء في حقِّ سيدنا رسول الله ليست مجردَ علاماتٍ تعريفيةٍ للتمييز كما هي في حقِّ سائر البشر، بل هي "قوالبُ أنوارٍ ومرايا مقامات".
وتأمل كيف رتّب الشيخ هذه المراتب البديعة المستنبطة من قوله : «أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ»؛ فقال بعبارةٍ تقطر ذوقاً: "كان أحمدَ قبل الإيجاد، وعند الميلاد صار محمداً، وبعد الإرشاد صار محموداً".
ويغوص الشيخ في تفكيك هذا النظم الإشاري، ويشهد له ما حرره سيدي الإمام القسطلاني (ت: 923 هـ، إمام المحدثين والفقهاء وصاحب المواهب اللدنية)، مبيناً أن التسمية بـ "أحمد" سابقةٌ في الرتبة والوجود على التسمية بـ "محمد"؛ لأن "أحمد" صيغةُ تفضيلٍ من الفاعل، أي: "أكثرُ الخلائق حمداً لله".
ففي حضرة الأزل، وقبل أن تُوجد "عِلَّةُ عملٍ" أو يُخلق مكلَّف، وقبل أن تُسطَّر الكتب وتُقنَّن الرسوم والرقوم؛ كان وحيداً في حضرة الغيب، منفرداً بكمال شهود المنعم، فكان "أحمدَ" لأنه حَمِدَ اللهَ قبل أن يحمده حامد!
ولما حان موعدُ ظهوره في عالم الشهادة، وتجسدتْ أنوارُه في طينة البشر عند الميلاد، صار «مُحَمَّدًا»؛ وهي صيغةُ مبالغةٍ من المفعول، أي: "الذي كَثُرَتْ خصالُه المحمودةُ حتى حَمِدَهُ أهلُ الأرض وأهلُ السماء".
وهذا يؤكد ما أصله الشيخ سابقاً في شرح الحديث الأول من أصالة عصمة نوره؛ فـ "أحمد" هو اسمُ الباطنِ والسرِّ والغيب، و"محمد" هو اسمُ الظاهرِ والتشريعِ والتبليغ.
ولا يقف العطاءُ عند هذا الحد يا ولدي؛ بل يترقى السالك مع كلام الشيخ ليدرك الرتبة الثالثة: "وبعد الإرشاد صار محموداً".
وهي الإشارةُ البالغةُ إلى مقامه الأسمى يوم القيامة، حين يتراجع الأنبياءُ عن الشفاعة، فيتقدم ساجداً تحت العرش، ويفتح الله عليه بمحامدَ لم يفتح بها على أحدٍ قبله، فينادي الربُّ القدير: "ارفع رأسك، وسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ"؛ فذلك هو المقامُ المحمود الذي يحمده فيه الأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ.
فانظر يا ولدي إلى هذا الإحكام البديع: بدأ بـ "أحمد" حامداً في الأزل، وتوسط بـ "محمد" محموداً في الدنيا، وختم بـ "المقام المحمود" شفيعاً في الآخرة.
فكيف لا تذوبُ حباً، ولا تستهينُ بوردِ الصلاة على مَن كانت أسماؤه مفاتيحَ الرحمة في العوالم كلها؟
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن أسماء المصطفى توقيفيةٌ ذاتُ أسرارٍ ساريةٍ في الكون، وأن اسم "أحمد" يمثل كمالَ الافتقار والحمدِ في الغيب، بينما يمثل اسم "محمد" كمالَ التخلقِ والرحمةِ في عالم الشهادة.

صحيح البخاري - حديث 5304 - صحيحالراوي: سهل بن سعد الساعدي
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا»، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا.

المعية الكبرى: سر الباء المحمدية في كفالة الأيتام

سياق الشرح

جاء استحضار الشيخ لهذا المعنى في سياق بيان علة التشريف الإلهي لليتم النبوي، وكيف تحول اليتم من مظنة الضعف إلى أرفع أسباب المعية والقرب في الجنة.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث، مبرزاً المعنى الباطنَ لسرِّ التكافلِ في الشريعةِ المحمديةِ الغراء: تأمل يا ولدي في هذه الإشارةِ النبويةِ اللطيفةِ بأصبعيه الشريفتين: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا»؛ فإنك إن أخذتَها بظاهرِها الفقهيِّ كسبتَ الأجر، ولكنك إن غصتَ في بحرِ إشارتِها الذوقيةِ مع كلامِ الشيخ، أدركتَ سرَّ قوله تعالى في سورة الضحى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾.
ويشرح الشيخ هذا السرَّ بعبارةٍ تفتح مغاليقَ الفهم، مبيناً أن الباري سبحانه وتعالى لما خاطب حبيبه باليُتم، أضاف إليها في المعنى الباطن حرف "الباء"؛ أي: "آوى اليتيمَ بِكَ".
ويقرر سيدي الإمام ابن حجر العسقلاني (ت: 852 هـ، أمير المؤمنين في الحديث وصاحب فتح الباري)، أن تَقَارُبَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى في إشارة النبي ليس تقارباً في المكانةِ فحسب، بل هو "اتصالُ سَرَيَانٍ"؛ فاللهُ جل جلاله قد أكرم الأيتامَ في العالمين، وجعل كفالتَهم أسرعَ طريقٍ لجواره في الجنة، إكراماً لعينِ يُتْمِهِ الشريف!
وكأنَّ لسانَ العنايةِ الإلهيةِ يقول لحبيبه المصطفى: "لأنك ذقتَ مرارةَ اليُتمِ في صغرك يا محمد، فقد جعلنا اليُتمَ من بعدك تاجاً، وجعلنا مَن يمسح على رأسِ يتيمٍ كأنما يمسح على قلبك، فآوينا الأيتامَ من أجلك".
وهذا يؤكد ما أصله الشيخ سابقاً في شرح حديث الأسماء النبوية من أن اسم "محمد" هو مظهرُ الرحمةِ المهداةِ التي وسعتْ كلَّ مكسور.
فإذا كفلتَ يتيماً يا ولدي، فإياك أن تنظر إليه بنظرةِ استعلاءٍ أو شفقةٍ جافة، بل انظر إليه بانكسار، واعلم أن هذا الصغيرَ هو "بابُك الملكيُّ" للدخول إلى معيةِ رسول الله ؛ فاشكرِ اللهَ الذي جعلك نائباً عن الحبيب في أداءِ حقِّ الإيواء.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن كفالة اليتيم ليست مجردَ عملٍ خيريٍّ لسدِّ الجوع، بل هي عبادةٌ ذوقيةٌ يتحقق بها السالك بوراثةِ الخُلقِ المحمديِّ في الرحمة، وينال بها شرفَ الالتصاقِ بالحضرةِ النبويةِ في الفردوس الأعلى.

ويمكنك مشاهدة الفيديو بالكامل من هنا

المعية الكبرى: سر الباء المحمدية في كفالة الأيتام | شرح الحديث الشريف | الشيخ جابر بغدادي