الهجرة من مرادات النفس إلى مراد الله: حين يكون العوض هو المعبود
«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله»
الهجرة من مرادات النفس إلى مراد الله: حين يكون العوض هو المعبود
سياق الشرح
كان الشيخ يواسي من تعلقت قلوبهم بأمنيات دنيوية كدراسة أو عمل ورزقهم الله بغيرها، محذراً إياهم من الحزن على المفقود، ومؤسساً لقاعدة إيمانية في الرضا والتسليم وترك حظوظ النفس حباً لله.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مؤسساً لمعنى جليل في الرضا والتسليم، ومصححاً لفهم قاصر حول حقيقة العطاء والمنع، في هذا الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، برقم (1): إن الهجرة الحقيقية يا ولدي ليست مجرد انتقال من أرض إلى أرض، بل هي الخروج من سجن "مراداتك" الدنيوية إلى رحابة "مراد سيدك" ومولاك. يستوقفنا الشيخ هنا أمام سر عجيب من أسرار البيان النبوي في قوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله»، ويتساءل بتعجب العارفين: لماذا لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم الجزاء المباشر؟ كان المتبادر للذهن البشري أن يُقال: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فله الجنة"، أليس كذلك؟ لكن الوحي الشريف أضمر الجزاء وجعله هو "الله ورسوله"، وهذا منتهى العطاء والفيض. هنا يجب أن نتأمل استدلال الشيخ العميق؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يحدد الجزاء هنا لأنك إذا تركت لله أمراً، فإن العوض لا يكون من جنس المتروك، بل يكون العوض هو "الله" ذاته.
تركك للأشياء يكون على قدرك أنت، وضعفك البشري، ولكن عوض الله لك يكون على قدر كماله وجلاله. ولذلك يقول الشيخ بلسان الحال الموصول بالله: "أنت سبت عشاننا سنعطيك ما تركت على قدرك ونكرمك على قدرنا". فسبحان من إذا زهد عبده في المملكة، كان العوض هو "الملك". والا كيف ينال العبد سعة العطاء وهو مقيد بطلب الفاني؟ فمن زهد في الفاني، وهبه الباقي سبحانه.
وبعد أن أرسى الشيخ هذه القاعدة الروحية، ينتقل بسلاسة ليضرب أمثلة واقعية تلامس شغاف القلوب؛ فكم من إنسان يتمنى كلية معينة فتأتيه أخرى، أو يرجو من الله ولداً فيرزقه بنتاً، أو يسعى ليكون طبيباً فيُقدر الله له الهندسة. هنا يعلمنا الشيخ أن "الأدب مع الله يقتضي أن تشكر النعمة، وتقنع بالحكمة، وترضى بالقسمة، وتحفظ الحرمة". وكيف لا ترضى وقد قال الحق سبحانه في محكم التنزيل: ﴿أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون﴾؟ فإذا زرعت نية أو أمنية وأخرج الله لك غيرها، فلا تحزن، لأن الزارع الحقيقي والمدبر الخبير هو الله، وما اختاره لك هو الخير المحض.
ولو رضيت بما قسمه لك، لتحول الصدر والمكان الذي اختاره الله لك إلى جنة وارفة الظلال. وهذا يتوافق تماماً مع ما أصله الإمام ابن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة 709 هـ، تاج العارفين وإمام الطريقة الشاذلية) في حكمه العطائية حين قال: "سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار".
يا ولدي، إن العبد إذا تصفى قلبه وعرف المصطفى صلى الله عليه وسلم، ارتقى إلى مقام عالٍ لا يحزن فيه على مفقود ولا يفرح بموجود دنيوي. فمن ترك الحرام أو الشبهات لله، كمن يترك مالاً مشبوهاً في عمله أو منصباً مغرياً يأتيه من طريق لا يُرضي الله، فقد وقع أجره على الله. وقد صاغ الشيخ هذا المشهد ببراعة حين صور الإنسان الذي يرفض مالاً حراماً في عمله كان سيشتري به سيارة فارهة، يرفضه ليقول بلسان حاله: أنا لا أريد أن أكون ذا وجاهة كاذبة بمعصية الله، بل أريد أن أكون عبداً خالصاً لله برضاه. فكان العوض نوراً يملأ الجيب، وقلباً يفيض يقيناً، بينما ذلك الذي يركض خلف مطامعه يموت مقتولاً بهموم الغد.
وهكذا ندرك دقة الاستدلال النبوي، فلو وعده بالجنة لكان العطاء محدوداً بمخلوق، ولكنه لم يعده بجنة ولم يؤمنه من نار فحسب، بل قال له: "أنت حكايتك عندي"، فأعطاه المالك لا المملكة. فمن ترك لله، وجد الله، ومن وجد الله فماذا فقد؟ فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: إن الهجرة الصادقة هي انتقال القلب من حظوظ النفس إلى الرضا باختيار الرب، وأن ترك العبد لمطامعه الدنيوية ابتغاء مرضاة الله يُورثه عوضاً لا يحد، ليس جنة مخلوقة فحسب، بل معية الخالق جل جلاله، ونوراً يملأ قلبه وحياته باليقين التام.
