Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/شرح الحديث الشريف/باب الريان: تجلي المكافأة الإلهية لعطش المحبين
صحيح البخاري - حديث 1896 - صحيحسلوك

باب الريان: تجلي المكافأة الإلهية لعطش المحبين

هذا شرح مستفاد من كلام الشيخ في سياق موضوعي موثق.
صحيح البخاري - حديث 1896 - صحيحالراوي: سهل بن سعد الساعدي
«إنَّ في الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ له الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ منه الصَّائِمُونَ يَومَ القِيَامَةِ، لا يَدْخُلُ منه أحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لا يَدْخُلُ منه أحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ منه أحَدٌ»

باب الريان: تجلي المكافأة الإلهية لعطش المحبين

سياق الشرح

ساقه الشيخ في معرض البشارة لأهل المجاهدة والصيام، مبيناً كيف يترجم الله مشقة العطش والجوع في الدنيا إلى كرامة تخصيص باب للري الأبدي في الآخرة.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مبشراً ومواسياً لقلوب السالكين: يا ولدي، إن عطش الدنيا وجوعها لله ليس حرماناً كما يظن أهل الغفلة، بل هو استثمار في بنك الكرامات الإلهية، ومفتاح لدخول ساحات القرب من باب لا يزاحمهم فيه أحد. لقد استخدم النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث البليغ لفظة "الريان"، وهي صيغة مبالغة من الري، وهو التروية التامة التي لا يعقبها ظمأ. ولم يقل النبي باب الشبع مثلاً، بل خص الريان؛ لأن مشقة العطش في ظهيرة الأيام القائظة أشد على النفس من الجوع، فكان الجزاء من جنس العمل، وأعلى مقامات المعافاة من ظمأ القيامة لمن عطش في طاعة الله. ويؤكد هذا المعنى الجلي استنباط الشيخ من قوله تعالى ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، فالميزان الرباني يقتضي أن "اللي جاع هنا مش هيجوع هناك، واللي عطش هنا مش هيعطش هناك". وكيف يعطش من أظمأ نهاره في محبة مولاه؟ إن الدخول من هذا الباب ليس مجرد نجاة، بل هو اصطفاء وحفاوة ربانية. فالصوم، كما عرفه علماء التزكية والسلوك، هو عين "الصبر"، وقد قال الحق سبحانه عن الصابرين ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. ولما كان الصيام سراً بين العبد وربه، لا تدخله رياء الحركات، كان عطاؤه باباً سرياً وخاصاً لا يفتحه إلا مفتاح الإخلاص. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن الله تعالى يقلب عسر المجاهدات وحرمان النفس الطوعي في الدنيا إلى مقامات من الري والكرامة في الآخرة، فبقدر ما تظمأ الروح في مجاهدة هواها، بقدر ما تروى من كؤوس القرب يوم اللقاء.

مسند أحمد - حديث 6626 - صحيحالراوي: عبد الله بن عمرو بن العاص
«الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ»

شفاعة الأعمال: حين يتجسد الحرمان نوراً يدافع عن صاحبه

سياق الشرح

ذكره الشيخ ليوضح أن الأعمال الصالحة ليست مجرد حركات تنقضي، بل هي كائنات نورانية حية تتشفع للعبد يوم القيامة بقدر ما حققته من قمع للشهوات وحبس للنفس.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مبرزاً أسرار التجسد النوراني للأعمال: يا ولدي، إن العبادات في طريق القوم ليست قوالب ميتة، بل هي أرواح تسري فيها أنوار الإخلاص. وهذا الحديث العظيم يفتح لنا نافذة على مشهد مهيب يوم القيامة، حيث تتشكل الأعمال وتتجلى لها ألسنة تنطق. فالصيام يأتي محاججاً وشفيعاً، وما كانت حجته؟ الحجة هي "المنع"؛ منع النفس من المألوفات والمحبوبات. يقول: منعته الأكل والشهوة. والقيام يأتي شفيعاً؛ لأن القرآن ومناجاة الليل منعت العبد من لذة النوم ومس الوثير من الفرش. وهذا يؤكد ما أصله الشيخ سابقاً في الشرح حين تحدث عن الدخول في "دوائر الصمدانية"؛ فالعبد حين يجوع ويعطش ويترك شهوته، يتصف بوصف الملائكة التي لا تأكل ولا تشرب، فيرق قلبه، وينتقي، ويرتقي. وحين ينتقل الشيخ إلى بيان التكامل بين النهار والليل، تدرك أن السلوك لا يتجزأ. فصيام النهار يطهر الجسد من كثافة الطعام والشهوة، وقيام الليل يطهر الروح من الغفلة. ومن تخلّى عن حظوظه الدنيوية من طعام ومنام في سبيل الله، عوّضه الله بأن جعل هذه المتروكات عينها تتشفع له. وما أعظمها من شفاعة حين تكون بلسان القبول الرباني، فترتقي بالعبد ليكون ممن يشهدون فيلتقون، بعد أن زهدوا في الكلام والأنام والمنام والطعام. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن المجاهدة وحبس النفس عن المألوفات تتجسد يوم القيامة أنواراً وشفعاء تنافح عن العبد، وأن صدق العبادة يقاس بمدى أثرها في فطام النفس عن شهواتها الظاهرة والخفية.

مسند البزار - ضعيف ومعناه صحيح مواق لتمام الشرعالراوي: عبد الله بن عباس
«إِنَّمَا أَتَقَبَّلُ الصَّلَاةَ مِمَّنْ تَوَاضَعَ بِهَا لِعَظَمَتِي، وَلَمْ يَسْتَطِلْ عَلَى خَلْقِي، وَلَمْ يَبِتْ مُصِرًّا عَلَى مَعْصِيَتِي، وَقَطَعَ النَّهَارَ فِي ذِكْرِي، وَرَحِمَ الْمِسْكِينَ، وَابْنَ السَّبِيلِ، وَالْأَرْمَلَةَ، وَالْمُصَابَ»

ميزان القبول: آفة العُجب وكيف تتخفى حظوظ النفس في الطاعات

سياق الشرح

أورده الشيخ ليضع حداً فاصلاً بين إتقان شروط "صحة" العبادة الظاهرة، وبين تحقيق شروط "قبولها" الباطنة، محذراً بقوة من داء الكبر وحظ النفس الذي يفسد الطاعات.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مصححاً لفهم خاطئ ومحذراً من مزالق الطريق: يا ولدي، كم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر، وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع! إن شروط "صحة" العبادة يفتي بها الفقيه من وضوء وحركات، أما شروط "القبول" فمدارها على سلامة القلب والافتقار إلى الرب. وقد استند الشيخ في بيانه إلى قوله تعالى ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، ليؤسس لمعنى دقيق يهتز له وجدان السالكين؛ وهو أن العبد يكون عند طاعته لله أحوج وأرجى لطلب العفو منه عند مقارفته للمعصية! قد تتعجب يا ولدي وتقول: كيف أستغفر من الطاعة؟ فيجيبك الشيخ بطب القلوب: "لأن حظ النفس في المعصية جلي، وحظ النفس في الطاعة خفي، وما خفي أعظم". فالعاصي منكسر الرأس، يعلم ذنبه، ونفسه ذليلة، والذل باب من أبواب الوصول. أما المطيع الذي تصدق أو قام الليل، فقد يداخله داء "العُجب"، فيرى نفسه بعين الاستحسان، وينظر للعصاة بعين الاحتقار. ولذلك جاء هذا الحديث القدسي كالمشرط الذي يستأصل ورم الكبر؛ فالله لا يقبل الصلاة إلا ممن "تواضع بها لعظمته"، فلا يرى لنفسه فضلاً، ثم "لم يستطل بها على خلقه"، فلا يعلو بها تكبراً على عباد الله. وهذا الانتقال البديع في الشرح يأخذنا إلى الثمرة العملية للقبول؛ فالعبادة لا تنتهي على سجادة الصلاة، بل تمتد لتكون نوراً يسري في المجتمع: "وقطع النهار في ذكري، ورحم الأرملة والمسكين". ولا كيف تُقبل صلاة قاسية صاحبها يستعلي على الخلق ولا يرحم ضعفائهم؟ إن الإنابة التي يقصدها الشيخ هي أن تخرج من حولك وقوتك وطاعتك، لتلقي بنفسك في بحر فضل الله ومحض رحمته. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن إتقان قوالب العبادة لا يغني عن إخلاص القلوب، وأن أعظم الآفات التي تحبط العمل هي رؤية النفس والاستطالة على الخلق، وأن القبول مرهون بالذل لله والرحمة بعباده.

ويمكنك مشاهدة الفيديو بالكامل من هنا