باب الريان: تجلي المكافأة الإلهية لعطش المحبين
«إنَّ في الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ له الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ منه الصَّائِمُونَ يَومَ القِيَامَةِ، لا يَدْخُلُ منه أحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لا يَدْخُلُ منه أحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ منه أحَدٌ»
باب الريان: تجلي المكافأة الإلهية لعطش المحبين
سياق الشرح
ساقه الشيخ في معرض البشارة لأهل المجاهدة والصيام، مبيناً كيف يترجم الله مشقة العطش والجوع في الدنيا إلى كرامة تخصيص باب للري الأبدي في الآخرة.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مبشراً ومواسياً لقلوب السالكين: يا ولدي، إن عطش الدنيا وجوعها لله ليس حرماناً كما يظن أهل الغفلة، بل هو استثمار في بنك الكرامات الإلهية، ومفتاح لدخول ساحات القرب من باب لا يزاحمهم فيه أحد. لقد استخدم النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث البليغ لفظة "الريان"، وهي صيغة مبالغة من الري، وهو التروية التامة التي لا يعقبها ظمأ. ولم يقل النبي باب الشبع مثلاً، بل خص الريان؛ لأن مشقة العطش في ظهيرة الأيام القائظة أشد على النفس من الجوع، فكان الجزاء من جنس العمل، وأعلى مقامات المعافاة من ظمأ القيامة لمن عطش في طاعة الله. ويؤكد هذا المعنى الجلي استنباط الشيخ من قوله تعالى ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، فالميزان الرباني يقتضي أن "اللي جاع هنا مش هيجوع هناك، واللي عطش هنا مش هيعطش هناك". وكيف يعطش من أظمأ نهاره في محبة مولاه؟ إن الدخول من هذا الباب ليس مجرد نجاة، بل هو اصطفاء وحفاوة ربانية. فالصوم، كما عرفه علماء التزكية والسلوك، هو عين "الصبر"، وقد قال الحق سبحانه عن الصابرين ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. ولما كان الصيام سراً بين العبد وربه، لا تدخله رياء الحركات، كان عطاؤه باباً سرياً وخاصاً لا يفتحه إلا مفتاح الإخلاص. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن الله تعالى يقلب عسر المجاهدات وحرمان النفس الطوعي في الدنيا إلى مقامات من الري والكرامة في الآخرة، فبقدر ما تظمأ الروح في مجاهدة هواها، بقدر ما تروى من كؤوس القرب يوم اللقاء.
