Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/شرح الحديث الشريف/بشارة التخلية الكبرى وموت ماضي الذنوب
صحيح البخاري - حديث 38 - صحيحمغفرة الذنوب بالصيام

بشارة التخلية الكبرى وموت ماضي الذنوب

هذا شرح مستفاد من كلام الشيخ في سياق موضوعي موثق.
صحيح البخاري - حديث 1894 - صحيح (حديث قدسي)الراوي: أبو هريرة
«كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به»

سر العبودية ومقام المراقبة في خلوة الصيام

سياق الشرح

استشهد الشيخ بهذا الحديث القدسي الجليل في سياق تبيان أن الصيام ليس مجرد جوع وعطش، بل هو مدرسة لبعث الحياة في الضمير، وتحقيق أعلى مقامات المراقبة التي تحرر العبد من رق الأشياء لتجعله خالصاً لله.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مؤسساً لمعنى جليل في فقه الباطن: اعلم يا ولدي أن رمضان ليس محض شهرٍ لجوع الأبدان، إنما هو في حقيقته شهرٌ لرجوع الأرواح إلى ديانها. فإذا سألتني كيف نرجع لربنا؟ أقول لك إن الصيام في أصله "حرية من المباح"، فواعجباً لمن أُعطى قوة الإمساك عن الحلال الطيب استجابة لأمر الله، كيف لا يقوى على أن يتحرر من أسر الحرام؟ إن الصيام يا بني تعويد وتدريب قاسٍ ومستمر للنفس على مقام المراقبة، وهو السر الذي يبعث الحياة في الضمير الإنساني الذي مات في زحام الغفلات. وتأمل يا بني في هذا التطبيق العملي لروح الحديث؛ حين تقف النفس الأمارة بالسوء أمام فتنة الغش في الموازين، وتهمس لصاحبها في خفاء: "اغشس وطفف الكيل، هل يراك من أحد؟"، هاهنا ينتفض الضمير المؤمن الحي من مرقده ليصدح بيقين: "معاذ الله، إننا صائمون". وهذا هو التفسير الذوقي الأجلى لقوله جل جلاله في هذا الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي»، فالصيام عبادة جوفية، سر بين العبد وربه، يتسامى عن شائبة الرياء وحب الظهور التي قد تخالط بقية الأعمال؛ فلا يعلم حقيقة صومك إلا من صمت له. وقد أشار أئمة التزكية، وفي طليعتهم الإمام أبو حامد الغزالي (المتوفى سنة 505 هـ، حجة الإسلام ومجدد علوم الدين)، إلى أن هذه الإضافة في قوله «فإنه لي» هي إضافة تشريف وتنزيه عن حظوظ النفس. وما دامت العبادة قد تجردت للحق، فكيف يكون الجزاء؟ هنا ننتقل بانسيابية إلى قوله تعالى: «وأنا أجزي به». يا ولدي، إن المراقبة التي يورثها الصوم تجعلك تهتف بيقين: "أنا صائم، فإذن أنا حر". الصيام يعلمك التحرر من رق الأشياء، يربيك لتكون عبداً لله وحده، لا عبداً لشهوة، ولا يستعبدك مال أو درهم. ولأنك صرت حراً مما سواه، وتجردت في عبوديتك له، جاء العطاء الإلهي بلا مقياس بشري. لقد أخفى الله ثواب الصيام، ولم يضع له حداً من الحسنات كسائر الأعمال، حتى إنه رفع علم هذا الأجر عن ملائكته الكرام، وقال لهم: "اكتبوا أنه صام، وأنا وحدي من يتولى جزاءه". فيا لروعة العطاء حين يكون الذي سيوفي المكيال، ويملأ الميزان، ويعاملك بالإحسان في اللحظة التي أتقنت فيها عبادته واستشعرت وجوده؛ هو الله جل جلاله. فإنه حتماً سيحسن إليك على قدر جوده المطلق؛ لن يتجلى عليك بمقدار عملك القاصر، بل سيفيض عليك على قدر عظمته، وسعة كرمه وجزالة عطيته، مصداقاً لقوله تعالى في سورة الزمر: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ فالصوم هو عين الصبر، والمكاييل في حضرته تتلاشى أرقامها. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن الصيام ليس امتناعاً ظاهرياً بل هو معراج للحرية من رق الأشياء ومقام للمراقبة التامة، حيث تتجرد العبادة من الرياء لتكون لله وحده، فيأتي الجزاء الإلهي فيضاً مطلقاً يتجاوز الحساب والأرقام ليليق بكرم الديان.

صحيح البخاري - حديث 38 - صحيحالراوي: أبو هريرة
«من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنب»

بشارة التخلية الكبرى وموت ماضي الذنوب

سياق الشرح

جاء استشهاد الشيخ بهذا الحديث النبوي ليؤكد أن عطاء الله للصائمين لا يقاس بعدد الحسنات، بل هو كرم إلهي واسع يمحو أثر الماضي بالكلية لتبدأ الروح صفحة جديدة ناصعة البياض مع خالقها.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مبرزاً سعة الفضل الإلهي والوفاء الرباني للصائمين: اعلم يا ولدي أن هذا الحديث النبوي الشريف هو الثمرة الكبرى والتجلي الأعظم لمعاني الصيام. وهذا يؤكد ما أصله الشيخ سابقاً في شرح الحديث القدسي الأول؛ فحين علمنا أن الله جل جلاله قد طوى مقادير الحسنات وأرقامها في عبادة الصيام، وجعل الجزاء موكولاً لواسع كرمه، تتجلى لنا هنا حقيقة هذا الجزاء. إن الله لا يعاملك بعدد ركعاتك أو ساعات جوعك المحدودة، بل يعاملك بصفة المغفرة المطلقة التي تمحو أثقال الماضي وتطهره من جذوره. تأمل يا بني في دقة اللفظ النبوي «إيمانا واحتسابا»؛ فالأمر لا يقتصر على الامتناع الجسدي، بل هو صيام نابع من تصديق جازم بوعد الله، واحتساب خالص للأجر عنده دون التفات لحظوظ النفس أو رياء الخلق. ومتى تحقق هذا الإيمان والاحتساب، جاءتك البشرى النبوية التي لا تُقدر بثمن: «غفر له ما تقدم من ذنب». فهل أخبرتك الشريعة حينها يا بني كم حسنة ستأخذ؟ هل حصرت لك الأجر في رقم معين؟ كلا، بل ساقت إليك البشارة الكبرى التي تفوق كل أرقام الحسنات. إن الرسالة التي يحملها هذا الحديث إلى قلبك المنهك بذنوب الأيام، هي أن كل ما سلف وفات من خطاياك وزلاتك، سيموت ويُقبر مع بركة هذا الصيام. إنها تخلية تامة تسبق التحلية، وصفحة بيضاء جديدة تُفتح لك في ديوان الكرم الإلهي. وكما نص سادتنا العلماء، ومنهم الإمام ابن حجر العسقلاني (المتوفى سنة 852 هـ، أمير المؤمنين في الحديث)، فإن سعة فضل الله في هذا الحديث ترجو للصائم المغفرة الشاملة الماحية لكل ذنب، ليعود المرء بعد شهر الصبر حراً طليقاً، لا تثقله أوزار الماضي، مستعداً للتحلي بمقامات القرب والمشاهدة. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن الصوم الممتزج بالإيمان والاحتساب لا يجلب حسنات معدودة فحسب، بل هو معراج روحي وعملية إحياء وميلاد جديد للقلب، تُمحى معه صحائف الذنوب الماضية ليتحرر العبد ويبدأ مع الله بقلب سليم.

ويمكنك مشاهدة الفيديو بالكامل من هنا