بشارة التخلية الكبرى وموت ماضي الذنوب
«من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنب»
بشارة التخلية الكبرى وموت ماضي الذنوب
سياق الشرح
جاء استشهاد الشيخ بهذا الحديث النبوي ليؤكد أن عطاء الله للصائمين لا يقاس بعدد الحسنات، بل هو كرم إلهي واسع يمحو أثر الماضي بالكلية لتبدأ الروح صفحة جديدة ناصعة البياض مع خالقها.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مبرزاً سعة الفضل الإلهي والوفاء الرباني للصائمين: اعلم يا ولدي أن هذا الحديث النبوي الشريف هو الثمرة الكبرى والتجلي الأعظم لمعاني الصيام. وهذا يؤكد ما أصله الشيخ سابقاً في شرح الحديث القدسي الأول؛ فحين علمنا أن الله جل جلاله قد طوى مقادير الحسنات وأرقامها في عبادة الصيام، وجعل الجزاء موكولاً لواسع كرمه، تتجلى لنا هنا حقيقة هذا الجزاء. إن الله لا يعاملك بعدد ركعاتك أو ساعات جوعك المحدودة، بل يعاملك بصفة المغفرة المطلقة التي تمحو أثقال الماضي وتطهره من جذوره. تأمل يا بني في دقة اللفظ النبوي «إيمانا واحتسابا»؛ فالأمر لا يقتصر على الامتناع الجسدي، بل هو صيام نابع من تصديق جازم بوعد الله، واحتساب خالص للأجر عنده دون التفات لحظوظ النفس أو رياء الخلق. ومتى تحقق هذا الإيمان والاحتساب، جاءتك البشرى النبوية التي لا تُقدر بثمن: «غفر له ما تقدم من ذنب». فهل أخبرتك الشريعة حينها يا بني كم حسنة ستأخذ؟ هل حصرت لك الأجر في رقم معين؟ كلا، بل ساقت إليك البشارة الكبرى التي تفوق كل أرقام الحسنات. إن الرسالة التي يحملها هذا الحديث إلى قلبك المنهك بذنوب الأيام، هي أن كل ما سلف وفات من خطاياك وزلاتك، سيموت ويُقبر مع بركة هذا الصيام. إنها تخلية تامة تسبق التحلية، وصفحة بيضاء جديدة تُفتح لك في ديوان الكرم الإلهي. وكما نص سادتنا العلماء، ومنهم الإمام ابن حجر العسقلاني (المتوفى سنة 852 هـ، أمير المؤمنين في الحديث)، فإن سعة فضل الله في هذا الحديث ترجو للصائم المغفرة الشاملة الماحية لكل ذنب، ليعود المرء بعد شهر الصبر حراً طليقاً، لا تثقله أوزار الماضي، مستعداً للتحلي بمقامات القرب والمشاهدة. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن الصوم الممتزج بالإيمان والاحتساب لا يجلب حسنات معدودة فحسب، بل هو معراج روحي وعملية إحياء وميلاد جديد للقلب، تُمحى معه صحائف الذنوب الماضية ليتحرر العبد ويبدأ مع الله بقلب سليم.
