Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/شرح الحديث الشريف/داء العبادة المشروطة وحقيقة التمحيص في المحن
صحيح البخاري - حديث 4742 - صحيحسلوك

داء العبادة المشروطة وحقيقة التمحيص في المحن

هذا شرح مستفاد من كلام الشيخ في سياق موضوعي موثق.
صحيح البخاري - حديث 4742 - صحيحالراوي: عبد الله بن عباس
«عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَةَ، فَإِنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلاَمًا، وَنَتَجَتْ خَيْلُهُ، قَالَ: هَذَا دِينٌ صَالِحٌ، وَإِنْ لَمْ تَلِدْ امْرَأَتُهُ وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ، قَالَ: هَذَا دِينُ سُوءٍ». وفي روايات أسباب النزول المعتمدة عند أئمة التفسير عن ابن عباس أيضاً: «أن رجلاً من اليهود أسلم، فكف بصره، ومات ولده، وذهب ماله، فتشاءم بالإسلام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقلني بيعتي، فقال النبي: إن الإسلام لا يُقال، فأنزل الله الآية».

داء العبادة المشروطة وحقيقة التمحيص في المحن

سياق الشرح

ساق الشيخ هذا الحديث الشريف محذراً من ربط الإيمان بالمنفعة الدنيوية، ومواسياً لمن أصيب في ماله أو ولده أو عمله، لئلا يخسر علاقته بالله كما فعل من طلب الإقالة من الدين وقت نزول البلاء.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث محذراً من مزالق النفوس وداء العبادة المشروطة: يا ولدي، إن من أشد أمراض القلوب فتكاً بصاحبها أن يقيم العبد إيمانه على ميزان المنفعة الدنيوية العاجلة، وهو المعنى الدقيق الذي حذرنا منه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الأثر الصحيح.
فقد كان بعض الأعراب يتوافدون على المدينة المنورة، ويدخلون في الإسلام على شرط خفي ومقايضة مادية، وهو شرط "التجربة"؛ فإذا أدركتهم النعم، وأمْطَرَت سماؤهم، و"نتجت خيلهم"، اطمأنوا وقالوا بلسان الحال والمقال: إن ديننا هذا لصالح!
وينبهنا الشيخ إلى ذلك المشهد العجيب الذي ذكره المفسرون في أسباب النزول، كما أورده الإمام القرطبي (المتوفى سنة 671 هـ، إمام المفسرين وصاحب الجامع لأحكام القرآن)، حين أسلم أحد اليهود، وما هي إلا أيام حتى توالت عليه النوازل الشداد؛ فكُف بصره، ومات ولده، وخسر ماله في تجارته.
فماذا فعل؟ لم يصبر ولم يرضَ بقضاء الله، بل عاد بجهالته وغفلته إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب فسخ عقد الإيمان، قائلاً بكل جرأة: "حلني من الإسلام ده!"، ولما سأله النبي الكريم عن السبب، تذرع بأنه كُف بصره وضاع ماله ومات ولده، فكأن إيمانه كان مرهوناً بعافية بدنه وسعة رزقه!
وهنا يستوقفك الشيخ، يا ولدي، ليربط بين هذا المشهد النبوي وبين واقعنا الأليم؛ فكم من البيوت أظلم فيها النور، وتعالت فيها صرخات اللعن والاعتراض على قضاء الله لمجرد فقد وظيفة أو تعثر في تجارة! فيتصور المسكين أن الله يعاقبه لأنه بدأ يسلك طريق الهداية، ويتساءل في حيرة وشك وضيق: "هو العيب في القرآن؟ أنا من ساعة ما بدأت أصلي والدنيا كلها شادة عليا!"
والحقيقة الإيمانية الناصعة، يا ولدي، أن الله عز وجل لا يسوق لك هذه المحن ليهلكك أو يطردك، بل يريد أن "يحرق معدنك لينجلي جوهرك".
فإذا كانت الدنيا تُقبل على الكافر والمؤمن، فإن صدق الإيمان ومقام الإحسان لا يُختبران إلا في أتون المحن الشداد.
وكيف للسالك أن ينال أوسمة الرضا إن لم يُمتحن بالمنع؟ إن من يعبد الله على "حرف" إنما يقف على حافة الهاوية، فإيمانه مهزوز مشروط؛ إن أُعطي رضي، وإن مُنع سخط وانقلب على وجهه خاسراً للدنيا والآخرة.
فاحذر أن تكون علاقتك بربك علاقة منفعة مادية تزول بزوال أسبابها، فذاك هو الخسران المبين.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: التحذير الشديد من أن يكون الإيمان مبنياً على حظوظ النفس ومنافع الدنيا الزائلة، والتأكيد على أن الابتلاء بالخسارة والفقد إنما هو نار تمحيص ربانية تخلص القلوب من شوائب التعلق بغير الله ليرتقي العبد إلى مقام التسليم الخالص.

ويمكنك مشاهدة الفيديو بالكامل من هنا